من أصحابه، فقال: "ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده لِمَا هدانا
للإسلام، ومنّ علينا به، فقال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟ قالوا: آلله ما أجلسنا
إلا ذلك ... " الحديث.
وخرّج الحاكم من حديث معاوية قال: كنت مع النبيّ -صلى الله عليه وسلم- يومًا، فدخل
المسجد، فإذا هو بقوم في المسجد قعود، فقال النبيّ -صلى الله عليه وسلم-: "ما أقعدكم؟ "
فقالوا: صلينا الصلاة المكتوبة، ثم قعدنا نتذاكر كتاب الله عزوجل، وسُنَّة نبيّه-صلى الله عليه وسلم -،
فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله إذا ذَكَر شيئًا تعاظَمَ ذِكره".
وفي المعنى أحاديث أُخَرُ متعددة، وقد أخبر -صلى الله عليه وسلم- أن جزاء الذين يجلسون
في بيت الله يتدارسون كتاب الله أربعة أشياء:
أحدها: تنزل السكينة عليهم، وفي "الصحيحين" عن البراء بن عازب
قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف، وعنده فرس، فتغشته سحابة، فجعلت
تدور، وتدنو، وجعل فرسه ينفر منها، فلما أصبح أتى النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، فذكر ذلك
له، فقال: "تلك السكينة، تنزل للقرآن"، وفيهما أيضًا عن أبي سعيد، أن
أُسيد بن حُضير بينما هو ليلة يقرأ في مِرْبده، إذ جالت فرسه، فقرأ، ثم جالت
أخرى، فقرأ، ثم جالت أيضًا، قال أسيد: فخشيت أن تطأ يحيى- يعني: ابنه-
قال: فقمت إليها، فإذا مثل الظُّلّة فوق رأسي، فيها أمثال السرُج، عَرَجت في
الجوّ حتى ما أراها، فغدا على النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، فذكر ذلك له، فقال: "تلك الملائكة
كانت تسمع لك، ولو قرأت لأصبحت يراها الناس، ما تستتر منه".
واللفظ لمسلم فيهما.
ورَوَى ابن المبارك عن يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زَحْر، عن
سعد بن مسعود؛ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان في مجلس، فرفع بصره إلى السماء،
ثم طأطأ بصره، ثم رفعه، فسئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، فقال: "إن هؤلاء
القوم كانوا يذكرون الله تعالى- يعني: أهل مجلسبى أَمامَهُ- فنزلت عليهم
السكينة، تحملها الملائكة كالقبّة، فلما دنت منهم تكلم رجل منهم بباطل،
فرُفعت عنهم"، وهذا مرسل.
والثاني: غَشَيان الرحمة، قال الله تعالى: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ
الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56].