ظالِماً، أو مظلوماً" قالوا: يا رسول الله هذا ننصره مظلوماً، فكيف ننصره
ظالِماً؟ قال: "تأخذ فوق يديه".
وفي رواية قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "انصر أخاك ظالِماً، أو مظلوماً"،
فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلوماً، أفرأيت إذا كان ظالِماً،
كيف أنصره؟ قال: "تَحْجُزه - أو- تمنعه من الظلم، فإن ذلك نَصْره".
قال في "الفتح": قوله: "فقال: تأخذ فوق يديه" كَنَى به عن كفّه عن
الظلم بالفعل، إن لم يكفّ بالقول، وعبّر بالفوقية إشارةً إلى الأخذ بالاستعلاء
والقوّة، وفي رواية معاذ، عن حميد، عند الإسماعيليّ: "فقال: يكفّه عن
الظلم، فذاك نَصْره إياه"، ولمسلم في حديث جابر نحو الحديث، وفيه: "إن
كان ظالماً فَلْيَنْهَه، فإنه له نَصْر".
قال ابن بطال: النصر عند العرب: الإعانة، وتفسيره لنصر الظالم بمنعه
من الظلم، من تسمية الشيء بما يؤول إليه، وهو من وجيز البلاغة، قال
البيهقيّ: معناه أن الظالم مظلوم في نفسه، فيدخل فيه ردع المرء عن ظلمه
لنفسه حسّاً ومعنى، فلو رأى إنساناً يريد أن يَجُبّ نفسه؛ لِظَنّه أن ذلك يزيل
مفسدة طَلَبه الزنا مثلاً مَنَعه من ذلك، وكان ذلك نصراً له، واتحد في هذه
الصورة الظالم والمظلوم.
وقال ابن الْمُنَيَّر: فيه إشارة إلى أن الترك كالفعل في باب الضمان، وتحته
فروع كثيرة.
[لطيفة]: ذكر المفضّل الضبيّ في كتابه "الفاخر" أن أول من قال: انصر
أخاك ظالماً أو مظلوماً: جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم، وأراد بذلك
ظاهره، وهو ما اعتادوه من حمية الجاهلية، لا على ما فسّره النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وفي
ذلك يقول شاعرهم [من الطويل]:
إِذَا أَنَا لَمْ أَنْصُرْ أَخِي وَهْوَ ظَالِمٌ عَلَى ... الْقَوْمِ لَمْ أَنْصُرْ أَخِي حِينَ يُظْلَمُ (?)
والحديث متّفقٌ عليه، ويأتي تمام البحث فيه في الحديث التالي - إن
شاء الله تعالى -.