أبو ذرّ: (للهِ) -عَزَّ وَجَلَّ- (قُلْتُ: فَأَيْنَ تَوَجَّهُ؟ ) بفتح التاء، أصله: تتوجّه بتاءين،
حُذفت إحداهما تخفيفاً، كما قال في "الخلاصة":
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ ... فِيهِ عَلَى تَا كَـ "تَبَيَّنُ الْعِبَرْ"
(قَالَ) أبو ذرّ: (أَتَوَجَّهُ حَيْثُ يُوَجِّهُنِي رَبِّي)؛ أي: لا أخصّ جهة معيّنة
أتوجّه إليها، بل إلى الجهة التي يوجهني الله تعالى إليها. (أُصَلِّي عِشَاءً)، أي:
صلاتها، (حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ) الظاهر أن "كان" هنا تامّة، و"من" زائدة
على قول من يرى زيادتها في الإثبات، و"آخر الليل" مرفوع على الفاعليّة، أي:
أصلي من أول العشاء، وأواصل صلاتي إلى أن يجيء آخر الليل.
والمراد: أن أبا ذرّ - رضي الله عنه - كان يصليّ قبل أن يؤمن بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وقد أخرج
ابن سعد عن الواقديّ، عن أبي معشر قال: "كان أبو ذرّ يتألّه في الجاهلية،
ويقول: لا إله إلا الله، ولا يعبد الأصنام" (?)، والظاهر: أن صلاته كانت
تختلف عن الصلاة المشروعة في الإسلام.
(أُلْقِيتُ كَأَنِّي خِفَاءٌ) قال القرطبيّ -عَزَّ وَجَلَّ-: الرواية في "أُلقيت" بضم الهمزة،
وكَسْر القاف؛ مبنيّاً لِمَا لم يُسَمَّ فاعله، والْخِفَاء بكسر الخاء والمدّ: هو
الغطاء، وكل شيء غطيته بكساء، أو ثوب، فذلك الغطاء خِفَاءٌ، ويُجمع على
أَخْفِية، قاله أبو عبيد. وقال ابن دريد: الخفاء: كساء يُطْرَح على السقاء.
انتهى (?).
والمراد: أنه كان يصلّي من الليل طويلاً، حتى إذا كان آخر الليل
اضطجع على فراشه، ونام كأنه كساء (?).
وقال النوويّ: قوله: "كأني خِفاء"، هو بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف
الفاء، وبالمدّ، وهو الكساء، وجَمْعه أَخْفية، ككساء وأكسية، قال القاضي:
ورواه بعضهم عن ابن ماهان: "جُفَاء" بجيم مضمومة، وهو غُثاء السيل،
والصواب المعروف هو الأول. انتهى (?).
(حَتَّى تَعْلُوَنِي الشَّمْسُ)؛ أي: حتى تطلع الشمس، وظهر عليّ حرّها.