الأمة خمسًا لا خمسين، حتى رجع في التخفيف إلى خمس صلوات، ثم ألهم الله جل وعلا صفيه - صلى الله عليه وسلم - حينئذ حتى قال لموسى: قد سألت ربي حتى استحييتُ لكني أَرْضَى وأُسَلِّم، فلما جاوز ناداه منادٍ: أمضيت فريضتي، أراد به الخمس صلوات، وخففت عن عبادي، يريد: عن عبادي من أمر الابتلاء الذي أمرتهم به من خمسين صلاة التي ذكرناها.

وجملة هذه الأشياء في الإسراء رآها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجسمه عيانًا، دون أن يكون ذلك رؤيا أو تصويرًا صُوِّرَ له؛ إذ لو كان ليلة الإسراء، وما رأى فيها نومًا دون اليقظة، لاستحال ذلك؛ لأن البشر قد يَرون في المنام السماوات، والملائكة، والأنبياء، والجنة، والنار، وما أشبه هذه الأشياء، فلو كان رؤية المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ما وُصِفَ في ليلة الإسراء في النوم دون اليقظة، لكانت هذه حالة يستوي فيها معه البشر؛ إذ هم يرون في مناماتهم مثلها، واستحال فضله، ولم تكن تلك حالةً معجزةً يُفَضَّل بها على غيره، ضدّ قول من أبطل هذه الأخبار، وأنكر قدرة الله جل وعلا، وإمضاء حكمه لما يحب كما يحب، جلّ ربنا وتعالى عن مثل هذا وأشباهه. انتهى كلام ابن حبّان رَحِمَهُ اللهُ، وهو تحقيق نفيسٌ، وبحثٌ أنيس، والله تعالى أعلم.

2 - (ومنها): ما قال الشيخ أبو حمد بن أبي جمرة رَحِمَهُ اللهُ في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "بينا أنا بين النائم واليَقْظَان": لو قال - صلى الله عليه وسلم -: إنه كان يقظان لأخبر بالحقّ؛ لأن قلبه في النوم واليقظة سواءٌ، وعينه أيضًا لم يكن النوم تمكّن منها، لكنه تحرَّى - صلى الله عليه وسلم - الصدق في الإخبار بالواقع، فيؤخذ منه أنه لا يُعْدَل عن حقيقة اللفظ للمجاز إلا لضرورة. انتهى.

3 - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من التواضع وحسن الخلق، حيث كان نائمًا بين الرجلين.

4 - (ومنها): بيان جواز نوم جماعة في موضع واحد، لكنه يشترط أن لا يجتمعوا في لِحَافٍ واحد؛ لِمَا ثبت من النهي عن ذلك.

5 - (ومنها): فضيلة ماء زمزم على جميع المياه، قال ابن أبي جمرة رَحِمَهُ اللهُ: وإنما لم يُغسَل بماء الجنة لِمَا اجتمع في ماء زمزم من كون أصل مائها من الجنّة، ثم استقرّ في الأرض، فأريد بذلك بقاء بركة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في الأرض. انتهى.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015