المقام، كما قيل: تمرة خيو من جرادة؛ أي: كل تمرة خير من كل جرادة،
وهذا إشارة إلى ما في ذهن المخاطب؛ أي: مالك خير مما في ذهنك من
مالك الأموال، وهو خير مما سأصفه به.
وَيحْتَمِل أن تكون الإشارة إلى ما تقدم من الثناء على الذين قبله، وأن
مالكًا أجمعُ من الذين قبله لخصال السيادة، والفضل.
ومعنى قولها: "قليلات المسارح" أنه لاستعداده للضيفان بها، لا يُوجّه
منهن إلى المسارح إلا قليلًا، ويترك سائرهن بفنائه، فإن فاجأه ضيف وجد
عنده ما يقريه به من لحومها، وألبانها، ومنه قول الشاعر:
حَبَسْنَا وَلَمْ نَسْرَحْ لِكَيْ لَا يَلُومَنَا ... عَلَى حُكْمِهِ صَبْرًا مُعَوّدَةَ الْحَبْسِ
وَيحْتَمِل أن تريد بقولها: "قليلات المسارح" الإشارة إلى كثرة طروق
الضيفان، فاليوم الذي يطرقه الضيف فيه لا تُسْرح، حتى يأخذ منها حاجته
للضيفان، واليوم الذي لا يطوقه فيه أحد، أو يكون هو فيه غائبًا تسرح
كلها، فأيام الطروق أكثر من أيام عدمه، فهي لذلك قليلات المسارح،
وبهذا يندفع اعتراض من قال: لو كانت قليلات المسارح لكانت في غاية
الهزال.
وقيل: المراد بكثرة المبارك أنها كثيرًا ما تثار، فتُحلب، ثم تُترك، فتكثر
مباركها لذلك.
وقال ابن السكيت: إن المراد أن مباركها على العطايا، والحمالات،
وأداء الحقوق، وقِرى الأضياف كثيرة، وإنما يسرح منها ما فضل عن ذلك،
فالحاصل: أنها في الأصل كثيرة، ولذلك كانت مباركها كثيرة، ثم إذا سرحت
صارت قليلة؛ لأجل ما ذهب منها.
وأما رواية من روى: "عظيمات المبارك"، فيَحْتَمِل أن يكون المعنى أنها
من سِمَنها، وعِظَم جثتها تَعْظُم مَبارِكها.
وقيل: المراد أنها إذا بركت كانت كثيرة؛ لكثرة من ينضم إليها ممن
يلتمس القرى، وإذا سُرحت سُرحت وحدها، فكانت قليلة بالنسبة لذلك.
وَيحْتَمِل أن يكون المراد بقلّة مسارحها: قلة الأمكنة التي ترعى فيها من
الأرض، وإنها لا تمكن من الرعي إلا بقرب المنازل؛ لئلا يشقّ طلبها، إذا