(قَالَتْ عَائِشَةُ) - رضي الله عنها -: (قُلْتُ: إِذًا)؛ أي: إذا كان مخيّرًا (لَا يَخْتَارُنَا) قال
في "العمدة": "لا يختارَنا" بالنصب؛ أي: حين اختار مرافقة أهل السماء، لا
يبغي أن يختار مرافقتنا من أهل الأرض، هكذا أعربه الكرمانيّ، قال العينيّ:
ولا مانع من أن يكون مرفوعًا؛ لأنَّ معنى قوله: "إذًا"؛ يعني: حينئذ هو لا
يختارنا. انتهى (?).
(قَالَتْ عَائِشَةُ) - رضي الله عنها -: (وَعَرَفْتُ الْحَدِيثَ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثنا بِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ
فِي قَوْلِهِ: "إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرُ")؛
المعنى: أنَّها عرفت أن الأمر الذي حصل له هو قوله في الحديث الذي كان
يحدثنا به، وهو صحيح، وهو قوله: "إنه لَمْ يُقبض نبيّ قط ... إلخ".
قال المناويّ: والذي دعاه إلى ذلك رغبته في لقاء محبوبه، فلما عَيَّن
للّقاء محلًّا خاصًّا، ولا يُنال إلَّا بالخروج من هذه الدار التي تنافي ذلك اللقاء
اختار الرفيق الأعلى (?).
[تنبيه]: فَهْم عائشة - رضي الله عنها - من قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "في الرفيق الأعلى" أنه خُيّر نظير
فهم أبيها - رضي الله عنه - من قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أن عبدًا خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار
ما عنده" أن العبد المخيّر هو النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى بكي، كما تقدم في مناقبه - رضي الله عنه - (?).
(قَالَتْ عَائِشَةُ) - رضي الله عنها -: (فَكَانَتْ تِلْكَ)؛ أي: تلك الكلمة التي هي قوله:
"اللَّهُمَّ الرفيق الأعلى"، وهي اسم "كانت"، وخبرها قولها: (آخِرُ كَلِمَةٍ)
وَيحتمل أن يكو "آخر" اسمها مؤخّرًا، و"تلك" خبرها مقدّمًا، والوجه الأول
أَولى؛ لأنَّ اسم الإشارة أعرف، فهو بكونها مسندًا إليه، وقولها: (تَكَلَّمَ بِهَا
رَسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) جملة في محلّ جرّ صفة لـ"كلمة"، وقولها: (قَوْلَهُ) يَحتمل أن
يكون مرفوعًا خبر لمحذوف؛ أي: هو قوله، وَيحتمل أن يكون منصوبًا بدلًا من
"تلك". ("اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى") و"الرفيق" منصوب على المفعوليّة لمقدّر، كما
أسلفناه آنفًا.