قال النوويّ رحمه الله: اعلم أنه ليس فيه دليلٌ على أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أَذِن لعائشة،
ولا أشار بعينه، وغيرها، بل لا يحلّ اعتقاد ذلك، فإنه - صلى الله عليه وسلم - يحرُمُ عليه خائنة
الأعين، وإنما فيه أنها انتصرت لنفسها، فلم يَنهها. انتهى.
قمال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ من أنه لا يحلّ
اعتقاد ذلك يعكر عليه ما رواه النسائيّ في "الكبرى"، وابن ماجه في "سننه"
بإسناد صحيح، من أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة - رضي الله عنها -: "دونك، فانتصري"، فالذي يظهر
أن هذا ليس من خائنة الأعين، بل هو من نَصْر المظلوم، فلا يَحْرُم عليه - صلى الله عليه وسلم -،
فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقال في "الفتح": وفي هذا جواز العمل بما يُفهَم من القرائن، لكن روى
النسائيّ، وابن ماجه مختصرًا من طريق عبد الله البهيّ، عن عروة، عن عائشة
قالت: "دخلت عليّ زينب بنت جحش، فسبّتني، فردعها النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فأبت،
فقال: سُبّيها، فسَبَبْتُها حتى جَفّ ريقها في فمها"، فيمكن أن يُحْمَل على
التعدد. انتهى (?).
(قَالَتْ) عائشة: (فَلَمَّا وَقَعْتُ بِهَا)؛ أي: سَبَبْتُها؛ جزاء لسبّها، (لَمْ
أنْشَبْهَا) وفي الرواية التالية: "لم أنشبها أن أثخنتها عليه"، وفي رواية النسائيّ:
"لَمْ أَنْشَبْهَا بِشَئءٍ"؛ أي: لم أُمهلها، ولم أتلبّث حتى أوقعت بها، وأصله من
نَشِبَ بالشيء، أو في الشيء: إذا تعلّق به، واحتبس فيه، أو بسببه. (حَتَّى
أنْحَيْتُ عَلَيْهَا) - بالنون، والحاء المهملة، بعدها مثنّاةٌ تحتيّةٌ -؛ أي: قصدتها،
واعتمدتها بالمعارضة، - والمشهور بالثاء المثلّثة، والخاء المعجمة، والنون-؛
أي: قمعتها، وقهرتها، أو بالغت في جوابها، وأفحمتها.
وقال القرطبيّ: كذا الرواية بالنون، والحاء المهملة، والياء المثنّاة من
تحتها، ومعناه: إني أصبت منها بالذمّ ما يؤلمها، فكأنها أصابت منها مَقْتلًا. وفي
"الصحاح": أنحيت على حَلْقه بالسكّين؛ أي: عَرَضت، وحينئذ يرجع معنى هذه
الرواية لمعنى الرواية الأخرى التي هي "أثخنتها"؛ أي: أثقلتها بجراح الكَلِمِ،
وهو مأخوذ من قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ} [محمد: 4]؛