عليّ خمسين صلاةً": "ماذا فَرَض ربُّك على أمتك؟ "، فقال النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: "خمسين صلاةً"، أي: فرض عليهم كما فرض عليّ، فتبيّن بهذا أن الفرض على أحدهما يستلزم الآخر، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) - صلى الله عليه وسلم - (فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ، حَتَّى أَمُرَّ بِمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: مَاذَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ لِي مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: فَرَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، قَالَ: فَرَاجَعْتُ رَبِّي، فَوَضَعَ شَطْرَهَا) وفي رواية مالك بن صعصعة عند البخاريّ: "فوضع عني عشرًا"، ومثله في رواية شريك، وفي رواية ثابت: "فحطّ عني خمسًا".
قال النوويّ - رَحِمَهُ اللهُ -: هذا المذكور هنا لا يخالف أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "حَطّ عني خمسًا ... " إلى آخره، فالمراد بحط الشطر هنا أنه حَطّ في مرات بمراجعات، وهذا هو الظاهر، وقال القاضي عياض - رَحِمَهُ اللهُ -: المراد بالشطر هنا الجزء، وهو الْخَمْس، وليس المراد به النصف، وهذا الذي قاله محتمل، ولكن لا ضرورة إليه، فإن هذا الحديث الثاني مختصر، لم يُذكَر فيه كرّات المراجعة.
واحتج العلماء بهذا الحديث على جواز نسخ الشيء قبل فعله، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ - رَحِمَهُ اللهُ - (?).
وقال في "الفتح": ذكر الشطر أعمّ من كونه وقع في دفعة واحدة، وكذا العشر، فكأنه وضع العشر في دفعتين، والشطر في خمس دفعات، أو المراد بالشطر في هذا الحديث البعض، وقد حَقَّقت رواية ثابت أن التخفيف كان خمسًا خمسًا، وهي زيادة معتمدة، يتعيّن حَمْلُ باقي الروايات عليها.
وأما قول الكرمانيّ: الشطر هو النصف، ففي المراجعة الأولى وَضع خمسًا وعشرين، وفي الثانية ثلاثة عشر، يعني: نصف الخمسة والعشرين بجبر الكسر، وفي الثالثة سبعًا، كذا قال، وليس في حديث الباب في المراجعة الثالثة ذكر وضع شيء، إلا أن يقال: حذف ذلك اختصارًا فيتجه، لكن الجمع بين الروايات يأبى هذا الحمل، فالمعتمد ما تقدم.
وأبدى ابن المُنَيِّر هنا نكتةً لطيفةً في قوله - صلى الله عليه وسلم - لموسى عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمّا أمره أن