وقوله: "فاستيقظ وهو في المسجد الحرام"، قال القرطبيّ: يحتمل أن يكون استيقاظًا من نومة نامها بعد الإسراء؛ لأن إسراءه لم يكن طول ليلته، وإنما كان في بعضها، ويحتمل أن يكون المعنى: أفقت مما كنتُ فيه مما خامر باطنه من مشاهدة الملأ الأعلى؛ لقوله تعالى: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)} [النجم: 18]، فلم يرجع إلى حال بشريته - صلى الله عليه وسلم - إلا وهو بالمسجد الحرام، وأما قوله في أوله: "بينا أنا نائم"، فمراده في أول القصة، وذلك أنه كان قد ابتدأ نومه، فأتاه الملك فأيقظه، وفي قوله في الرواية الأخرى: "بينا أنا بين النائم واليقظان أتاني الملك" إشارة إلى أنه لم يكن استَحْكَم في نومه. انتهى.

قال الحافظ: وهذا كله ينبني على توحيد القصة، وإلا فمتى حُمِلت على التعدد، بأن كان المعراج مرة في المنام وأخرى في اليقظة فلا يحتاج لذلك. انتهى.

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بالتعدّد ليس بسديد، على ما يأتي بيانه، فالأولى التأويل إن أمكن، أو الترجيح، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:

[422] (163) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: "فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي، وَأنا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَب مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلى السَّمَاء، فَلَمَّا جِئْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، قَالَ جِبْرِيلُ؛ لِخَازِنِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا: افْتَحْ، قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ، قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ مَعِيَ مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: فَاُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَفَتَحَ، قَالَ: فَلَمَّا عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَإِذَا رَجُلٌ عَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَنْ يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، قَالَ: فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ

طور بواسطة نورين ميديا © 2015