5 - (ومنها): ما قاله في "الفتح": قال ابن الجوزيّ: إنما طلب عمر
الاستنان بإبراهيم - عَلَيْهِ السَّلَامْ - مع النهي عن النظر في كتاب التوراة؛ لأنه سمع قول الله
تعالى في حق إبراهيم: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ}، وقوله تعالى: {أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ
إِبْرَاهِيمَ}، فعَلم أن الائتمام بإبراهيم من هذه الشريعة، ولكون البيت مضافًا
إليه، وأن أثر قدميه في المقام كرقم الباني في البناء؛ ليُذكَر به بعد موته، فرأى
الصلاة عند المقام كقراءة الطائف بالبيت اسمَ من بناه. انتهى.
وهي مناسبة لطيفة، ثم قال: ولم تزل آثار قَدَمَيْ إبراهيم حاضرة في
المقام، معروفة عند أهل الحرم، حتى قال أبو طالب في قصيدته المشهورة [من
الطويل]:
وَمْوِطئُ إِبْرَاهِيمَ فِي الصَّخْرِ رَطْبَةٌ ... عَلَى قَدَمَيْهِ حَافِيًا غَيْرَ نَاعِلِ
وفي "موطأ ابن وهب" عن يونس، عن ابن شهاب، عن أنس، قال:
"رأيت المقام فيه أصابع إبراهيم، وأخمص قدميه، غير أنه أذهبه مسح الناس
بأيديهم".
وأخرج الطبريّ في "تفسيره" من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة،
في هذه الآية: إنما أُمروا أن يصلّوا عنده، ولم يؤمروا بمسحه، قال: ولقد ذَكَر
لنا من رأى أثر عقبه، وأصابعه فيها، فما زالوا يمسحونه حتى اخلولق،
وانمحى.
وكان المقام من عهد إبراهيم لَزِق البيت إلى أن أخّره عمر - رضي الله عنه - إلى
المكان الذي هو فيه الآن، أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" بسند صحيح، عن
عطاء وغيره، وعن مجاهد أيضًا.
وأخرج البيهقيّ عن عائشة - رضي الله عنها - مثله بسند قويّ، ولفظه: "أن المقام كان
في زمن النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وفي زمن أبي بكر ملتصقًا بالبيت، ثم أخّره عمر".
وأخرج ابن مردويه بسند ضعيف عن مجاهد: أن النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هو الذي
حوّله، والأول أصحّ.
وقد أخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن ابن عيينة، قال: كان المقام
في سقع البيت في عهد رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فحوّله عمر، فجاء سيل فذهب به،
فردّه عمر إليه، قال سفيان: لا أدري أكان لاصقًا بالبيت، أم لا؟ انتهى.