وقال الطيبيّ - رَحِمَهُ اللهُ -: قوله: "أَنْتَ أَغْلَظُ، وَأَفَظُّ" لَمْ يُرِد مزيد الفظاظة
والغلظة لعمر - رضي الله عنه - على رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "، فإنه كان حليمًا مواسيًا، رقيق القلب
في الغاية، بل المبالغة في فظاظة عمر - رضي الله عنه - مطلقًا. انتهى (?).
(قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدهِ"، وفي رواية البخاريّ: فقال
رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إيهًا يا ابن الخطّاب، والذي نفسي بيده ... ".
وقوله: "إيهًا يا ابن الخطاب": قال أهل اللغة: "إيهًا" بالفتح والتنوين
معناها: لا تبتدئنا بحديث، وبغير تنوين كُفَّ من حديثٍ عهدناه، و"إيه" بالكسر
والتنوين معناها: حَدَّثَنَا ما شئت، وبغير التنوين: زدنا مما حدثتنا، قال
الحافظ: ووقع في روايتنا بالنصب والتنوين، وحَكَى ابن التين أنه وقع له بغير
تنوين، وقال: معناه: كُفّ عن لومهنّ.
وقال الطيبيّ: الأمر بتوقير رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مطلوب لذاته تُحمد الزيادة منه،
فكان قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إيه" استزادة منه في طلب توقيره، وتعظيم جانبه، ولذلك عقَّبه
بقوله: "والذي نفسي بيده ... إلخ"، فإنه يُشعر بأنه رضي مقالته، وحَمِد فِعاله،
والله أعلم. انتهى (?).
(مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا)؛ أي: طريقًا واسعًا، وقوله: "قط"
تأكيد للنفي، (إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ") قال النوويّ: الفجّ: الطريق الواسع،
ويُطلق أيضًا على المكان المنخرق بين الجبلين، وهذا الحديث محمول على
ظاهره أن الشيطان متى رأى عمر سالكًا فَجًّا هرب هيبةً من عمر، وفارق ذلك
الفجّ، وذهب في فجّ آخر؛ لشدة خوفه من بأس عمر - رضي الله عنه - أن يفعل فيه شيئًا،
قال القاضي عياض: وَيحْتمل أنه ضُرب مثلًا لِبُعد الشيطان، وإغوائه منه، وأن
عمر في جميع أموره سالك طريق السداد، خلاف ما يأمر به الشيطان،
والصحيح الأول. انتهى (?).
وقال القرطبيّ: قوله: "غير فجِّك": الفج: الطريق الواسع، وهو أيضًا: