عِنْدِي) يتكلّمن عاليات أصواتهنّ، (فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ"، قَالَ
عُمَرُ) - رضي الله عنه - (فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يَهَبْنَ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ) - رضي الله عنه - لهؤلاء النساء
(أَيْ عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَ، أَتَهَبْنَنِي) بفتح الهاء، من الهيبة؛ أي: توقرنني، وقال
البغويّ: هو من قولهم: هِبتُ الرجلَ: إذا وقّرته، وعظّمته، يقال: هَبِ الناسَ
يهابوك؛ أي: وقّرهم يوقّروك. انتهى (?). (وَلَا تَهَبْنَ)؛ أي: لا توقّرن
(رَسُولَ اللهِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ ) المستحقّ لذلك، (قُلْنَ: نَعَمْ) نَهَبُك؛ لأنك (أَنْتَ أَغْلَظُ، وَأفَظُّ
مِنْ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) قال النوويّ - رَحِمَهُ اللهُ -: الفظّ، والغليظ: بمعني، وهو عبارة عن شدّة
الْخُلُق، وخشونة الجانب، قال العلماء: وليست لفظة أفعل هنا للمفاضلة، بل
هي بمعنى فظّ غليظ، قال القاضي: وقد يصحّ حملها على المفاضلة، وأن
القَدْر الذي منها في النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هو ما كان من إغلاظه على الكافرين،
والمنافقين، كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ}
الآية [التوبة: 73]، وكان يَغضب، وَيغلُظ عند انتهاك حرمات الله تعالي، والله
أعلم. انتهى (?).
وقال في "الفتح": "أفظّ، وأغلظ" بالمعجمتين بصيغة أفعل التفضيل، من
الفظاظة، والغلظة، وهو يقتضي الشركة في أصل الفعل، ويعارضه قوله تعالى:
{وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} الآية [آل عمران: 159]، فإنه يقتضي
أنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يكن فظًّا ولا غليظًا.
والجواب: أن الذي في الآية يقتضي نفي وجود ذلك له صفة لازمة، فلا
يستلزم ما في الحديث ذلك، بل مجرد وجود الصفة له في بعض الأحوال،
وهو عند إنكار المنكر مثلًا، والله أعلم.
وجوَّز بعضهم أن الأفظّ هنا بمعنى الفظّ، وفيه نظر؛ للتصريح بالترجيح
المقتضي لحَمْل أفعل على بابه، وكان النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يواجه أحدًا بما يكره إلَّا في
حقّ من حقوق الله، وكان عمر يبالغ في الزجر عن المكروهات مطلقًا، وطَلَب
المندوبات، فلهذا قال النسوة له ذلك، قاله في "الفتح" (?).