قد والله استحييت من ربي، مما اختلفت إليه، قال: فاهبط باسم الله، قال: واستيقظ وهو في مسجد الحرام".
قوله: "فقال أولهم: أيُّهم هو؟ " فيه إشعار بأنه كان نائمًا بين جماعة أقلّهم اثنان، وقد جاء أنه كان نائمًا معه حينئذ حمزة بن عبد المطلب عمه، وجعفر بن أبي طالب ابن عمه.
وقوله: "فلم يرَهم" أي: بعد ذلك "حتى أتوه ليلة أخرى"، ولم يُعَيِّن المدة التي بين المجيئين، فيحمل على أن المجيء الثاني كان بعد أن أُوحي إليه، وحينئذ وقع الإسراء والمعراج، وإذا كان بين المجيئين مدةٌ، فلا فرق في ذلك بين أن تكون تلك المدة ليلة واحدة، أو ليالي كثيرة، أو عدة سنين، وبهذا يرتفع الإشكال عن رواية شريك، ويحصل به الوفاق أن الإسراء كان في اليقظة بعد البعثة وقبل الهجرة، ويسقط تشنيع الخطابيّ وابن حزم وغيرهما بأن شريكًا خالف الإجماع في دعواه أن المعراج كان قبل البعثة، وبالله التوفيق.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل هذا الجواب أن قوله: "قبل أن يوحى إليه" ليس ظرفًا للإسراء، وإنما هي ليلة أخرى، ثم بعد أن أوحي إليه جاؤوه فوقع الإسراء، وهذا تأويل قويّ، فتأمله بإنصاف، والله تعالى أعلم.
قال الحافظ: وأما ما ذكره بعض الشرّاح أنه كان بين الليلتين اللتين أتاه فيهما الملائكة سبع، وقيل: ثمان، وقيل: تسع، وقيل: عشر، وقيل: ثلاثة عشر، فيُحْمَل على إرادة السنين، لا كما فهمه الشارح المذكور أنها ليال، وبذلك جزم ابن القيِّم في هذا الحديث نفسه.
وأقوى ما يُسْتَدَلُّ به أن المعراج بعد البعثة قوله في هذا الحديث نفسِهِ: إن جبريل قال لبواب السماء إذ قال له: أبُعث؟ قال: نعم، فإنه ظاهر في أن المعراج كان بعد البعثة، فيتعين ما ذكرته من التأويل.
وقوله: "فاستيقظ وهو عند المسجد الحرام"، فإن حُمِل على ظاهره جاز أن يكون نام بعد أن هَبَط من السماء، فاستيقظ وهو عند المسجد الحرام، وجاز أن يؤَوَّل قوله: "استيقظ" أي: أفاق مما كان فيه، فإنه كان إذا أُوحي إليه يَستغرق فيه، فإذا انتهى رَجَع إلى حالته الأولى، فكَنَى عنه بالاستيقاظ.