الماضي في لفظ "الثّدِيّ"، فلا تغفل، وبالثه تعالى التوفيق.
ثم إن قوله: "أرَى" إن كان من الرؤية بمعنى العلم فيقتضي مفعولين،
أحدهما هو قوله: "الرّيّ"، والثاني قوله: "يخرج في أظفاري"، وإن كان من
الرؤية بمعنى الإبصار، فلا يقتضي إلا مفعولًا واحدًا وهو قوله: "الرّيّ" (?).
وفيه تأكيد الكلام بصوغه جملة اسمية، وتأكيدها بإِنّ" واللام في الخبر،
وهو قوله: "إني لأرى الريّ".
[فإن قلت]: لم تكن الصحابة -رضي الله عنهم- منكرين، ولا مترددين في أخباره -صلى الله عليه وسلم -،
فما فائدة هذه التاكيدات؟ .
[أجيب]: بأن قوله: "أرى الريّ يخرج في أظفاري" أورثهم حَيْرة في
خروج اللبن من الأظفار، فأزال تلك الحيرة بهذه التأكيدات، كما في قوله
تعالى: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} الآية [يوسف: 53]؛ لأن ما
أبرّئ؛ أي: ما أزّكي، أورث المخاطَب حيرة في أنه كيف لا ينزه نفسه عن
السوء، مع كونها مطمئنة زكية، فأزال تلك الحيرة بقوله: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ
بِالسُّوءِ} في جميع الأشخاص إلا من عصمه الله، قاله العينيّ رحمه الله (?).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله العينيّ في قوله: {وَمَا أُبَرِّئُ}
الآية مبنيّ على أن هذا الكلام ليوسف عليه السلام، والراجح أنه من كلام المرأة، لا
من كلامه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(يَجْرِي فِي أَظْفَارِي) بفتح الهمزة: جمع ظُفْر، قال ابن دُريد: الظفر ظفر
الإنسان، والجمع أظفار، ولا تقول: ظِفْر بالكسر، وإن كانت العامة قد أُولعت
به، وتجمع أظفار على أظافير، قال: وقال قوم: بل الأظافير جمع أظفور،
والظفر والأظفور سواء، وأظفار الأبل مناسمها، وأظفار السباع براثنها.
انتهى (?).
وقوله أيضًا: (فِي أَظْفَارِي)، وفي رواية ابن عساكر "من أظفاري"، وفي
رواية البخاري في "التعبير": "من أطرافي"، والكل بمعنًى في الحقيقة.