حُزْناً على فراقه، وانقطاع الوحي وغيره من الخير دائماً، وإنما قال - صلى الله عليه وسلم -: "إن

عبداً"، وأبهمه لِيَنْظُر فَهْم أهل المعرفة، ونباهة أصحاب الحذق.

(قَالَ) أبو سعيد (فَكَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - هُوَ الْمُخَيَّرَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرِ أَعْلَمَنَا

بِهِ) في رواية مالك: "وكان أبو بكر هو أعلمنا به"؛ أي: بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم -، أو

بالمراد من الكلام المذكور، زاد في رواية محمد بن سنان: "فقال: يا أبا بكر

لا تبك".

(وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي مَالِهِ، وَصُحْبَتِهِ أَبُو بَكْرٍ)

قال العلماء: معناه: أكثرهم جُوداً، وسماحةً لنا بنفسه، وماله، وليس هو من

الْمَنّ الذي هو الاعتداد بالصنيعة؛ لأنه أذى مبطل للثواب، ولأن المنّة لله تعالى

ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - في قبول ذلك، وفي غيره، قاله النوويّ -رَحِمَهُ اللهُ- (?).

وقال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللهُ-: هو من الامتنان، والمراد أن أبا بكر له من

الحقوق، ما لو كان لغيره نظيرها، لامْتَنَّ بها، يؤيده قوله في رواية ابن عباس:

"ليس أحد أمنّ عليّ"، والله أعلم. انتهى (?).

قال في "الفتح": وفي رواية محمد بن سِنان: "إن مِن أمنّ الناس عليّ"

بزيادة "مِن"، وقال فيها: "أبا بكر" بالنصب للأكثر، ولبعضهم: "أبو بكر"

بالرفع، وقد قيل: إن الرفع خطأ، والصواب النصب؛ لأنه اسم "إنّ"، ووُجِّه

الرفع بتقدير ضمير الشأن؛ أي: إنه، والجار والمجرور بعده خبر مقدّم، و"أبو

بكر" مبتدأ مؤخّر، أو على أن مجموع الكنية اسم، فلا يُعرب ما وقع فيها من

الأدا ة.

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الوجه غريبٌ، فليُتأمل، والله تعالى أعلم.

قال: أو "إنّ" بمعنى "نعم"، أو أن "مِنْ" زائدة على رأي الكسائيّ، وقال

ابن بَرّيّ: يجوز الرفع إذا جُعلت "مِنْ " صفة لشيء محذوف، تقديره: إن

رجلاً، أو إنساناً، من أمنّ الناس، فيكون اسم "إنّ" محذوفاً، والجار

والمجرور في موضع الصفة، وقوله: "أبو بكر" الخبر.

وقوله: "أمنّ" أفعل تفضيل من المنّ، بمعنى العطاء، والبذل، بمعنى أنه

طور بواسطة نورين ميديا © 2015