الشدة بما لم يُسْبَق إليه. انتهى (?).

وروى البخاريّ عن عائشة - رضي الله عنه - قالت: استأجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر

رجلاً من بني الديل هادياً خِرِّيتاً (?)، وهو على دِين كفار قريش، فدفعا إليه

راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبيحة

ثلاث، فارتحلا، وارتحل معهما عامر بن فُهيرة، والدليل الدّيليّ، فأخذ بهم

طريق الساحل.

قال أبو بكر: (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ) فيه

مجيء "لو" الشرطية للاستقبال، خلافاً للأكثر، واستَدَلّ من جوّزه بمجيء الفعل

المضارع بعدها، كقوله تعالى: {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} [الحجرات: 7] وعلى هذا فيكون قاله حالة وقوفهم على الغار، وعلى القول

الأكثر يكون قاله بعد مضيّهم؛ شكراً لله تعالى على صيانتهما منهم.

وقوله أيضاً: (لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ)، وفي

رواية للبخاريّ: "لو أن بعضهم طأطأ بصره"، ووقع في رواية بلفظ: "رفع

قدميه"، ووقع مثله في حديث حُبْشيّ بن جُنادة، أخرجه ابن عساكر، وهي

مشكلة، فإن ظاهرها أن باب الغار استتر بأقدامهم، وليس كذلك، إلا أن

يُحمل على أن المراد أنه استتر بثيابهم.

ووقع في مغازي عروة بن الزبير في قصة الهجرة قال: وأتى المشركون

على الجبل الذي فيه الغار الذي فيه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - حتى طلعوا فوقه، وسمع أبو بكر

أصواتهم، فأقبل عليه الهمّ والخوف، فعند ذلك يقول له النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} ودعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فنزلت عليه السكينة، وفي ذلك

يقول الله -عَزَّ وَجَلَّ-: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40]، وهذا يقوّي أنه قال ما في حديث الباب حينئذ، ولذلك أجابه

بقوله: {لَا تَحْزَنْ}.

وفيه أن باب الغار كان منخفضاً، إلا أنه كان ضيقاً، فقد جاء في "السِّيَر"

طور بواسطة نورين ميديا © 2015