منه: وقال أَبو الدُّقَيْش: يقال: ماءٌ مالحٌ، ومِلْح، قال أَبو منصورة هذا وإِنْ
وُجِدَ في كلام العرب قليلًا لُغَةٌ لا تُنْكر، قال ابن بَرّيّ: قد جاءَ المالِح في
أَشعارِ الفُصحاءِ؛ كقول الأَغلب العِجْليّ يَصف أُتُنًا وحِمارًا [من الرجز]:
تَخَالُهُ مِنْ كَرْبهِنَّ كَالحَا ... وافْتَرَّ صَابًا ونَشُوقًا مالِحَا
وقال غَسّانُ السَّلِيطيّ [من الطويل]:
وَبِيضٍ غِذَاهنَّ الحَليبُ وَلَمْ يَكنْ ... غِذَاهُنَّ نِينَانٌ مِنَ الْبَحْرِ مالِحُ
أَحَبُّ إِلينا مِنْ أُناسٍ بِقَرْيَةٍ ... يَمُوجُون مَوْجَ البَحْرِ والبَحْرُ جَامِحُ
وقال عُمر بن أَبي رَبيعةَ [من الطويل]:
وَلَوْ تفَلَتْ في البَحْر والبَحرُ مالحٌ ... لأَصبَحَ ماءُ البَحْرِ من ريقِهَا عَذْبَا
قال: وقال ابنُ الأَعرَابيّ: يقال شيْءٌ مالِحٌ، كما يقال: حامِضٌ، قال ابنَ
بَرّيّ: وقال أَبو الجَرّاح: الحَمْضُ: المالِحُ من الشَّجَر، قال ابن بَرّيّ: ووَجْهُ
جَوازِ هذا من جِهة العَربيَّة أَن يكون على النَّسَب، مثل قولهم: ماءٌ دافِقٌ؛ أي:
ذو دَفْق، وكذلك ماءٌ مالح؛ أى: ذو مِلْح، وكما يقال: رَجلٌ تارِسٌ؛ أي: ذو
تُرْسٍ، ودَارعٌ؛ أي: ذو دِرعٍ، قال: ولا يكون هذا جاريًا على الفِعْل، وقال
ابن سيدَه: وسَمَكٌ مالِحٌ، ومَلِيحٌ، ومَمْلُوح، ومُمَلَّح، وكَرِهَ بعضُهم مَلِيحًا
ومالِحًا، ولم يَرَ بَيْتَ عُذافرٍ حُجَة، وهو قوله [من الرجز]:
لو شاءَ رَبِّي لم أَكنْ كَرِيَّا ... ولم أَسُقْ لشَعْفَرَ المَطِيَّا
بَصَريّة تزَوّجتْ بَصْرِيَّا ... يُطْعِمها المالحَ والطَّرِيَّا (?)
قال الجامع عفا الله عنه: هذه الأشعار أثبتت صحة قوله: "مالحًا" الواقع
في هذا الحديث، وأن العرب كانت تستعمله، والذين نفوه إنما نفوا علمهم،
ومَن حفِظ كابن سِيده، وابن الأعرابيّ، وابن برّيّ حجة على من لم يحفظ،
فاحفظ هذا، وكن على بصيرة، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم.
وقال في "الفتح": ويستفاد من هذه الرواية أن الحوت كان ميتًا؛ لأنه لا
يُمْلَح، وهو حيّ، ومنه تعلم الحكمة في تخصيص الحوت دون غيره من