"تركت فيكم أمرين، لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله، وسُنَّة نبيه" (?)،

ومثل هذا لا يُحصَى كثرة.

وعلى الجملة فقد حصل العلم القطعيّ، واليقين الضروريّ، وإجماع

السَّلف، والخلف: على أن لا طريق لمعرفة أحكام الله تعالى التي هي راجعة

إلى أمره ونهيه، ولا يُعرف شيء منها إلا من جهة الرسل الكرام، فمن قال: إن

هناك طريقًا آخر يُعرف بها أمره ونهيه غير الرسل، بحيث يُستغنى بها عن

الرسل، فهو كافر، يُقتل، ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب،

ثم هو قول بإثبات أنبياء بعد نبينا -صلى الله عليه وسلم- الذي قد جعله الله خاتم أنبيائه ورسله،

فلا نبي بعده، ولا رسول، وبيان ذلك أن من قال: إنه يأخذ عن قلبه، وإن ما

وقع فيه هو حُكم الله، وإنه يعمل بمقتضاه، وإنه لا يحتاج في ذلك إلى كتاب،

ولا سُنَّة، فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة، فإنَّ هذا نحو مما قاله رسول الله-صلى الله عليه وسلم-:

"إن روح القدس نَفَث في رُوعي".

ولقد سمعنا عن بعض الممخرقين المتظاهرين بالدِّين، أنه قال: أنا لا

آخذ عن الموتى؛ وإنَّما آخذ عن الحيّ الذي لا يموت، وإنما أروي عن قلبي

عن ربي، ومثل هذا كثير، فنسأل الله الهداية، والعصمة، وسلوك طريق سلف

هذه الأمَّة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله (?)، وهو

تحقيق نفيسٌ، وبحث أنيش، والله تعالى أعلم.

وقال غيره: مَن استدلّ بقصة الخضر على أن الوليّ يجوز أن يطّلع من

خفايا الأمور على ما يخالف الشريعة، ويجوز له فِعله، فقد ضلّ، وليس ما

تمسّك به صحيحًا، فإن الذي فَعَله الخضر ليس في شيء منه ما يناقض الشرع،

فإنّ نقْض لوح من ألواح السفينة لِدَفْع الظالم عن غَصْبها، ثم إذا تركها أعيد

اللوح جائز شرعًا وعقلًا، ولكن مبادرة موسى بالإنكار بحَسَب الظاهر، وقد

وقع ذلك واضحًا في رواية أبي إسحاق التي أخرجها مسلم، ولفظه: "فاذا جاء

طور بواسطة نورين ميديا © 2015