قال الحافظ: وكلامه متعقَّب من وجوه، والذي يقتضيه لفظ الحديث لا

إشكال في معناه، ولا مخالفة لِمَا ثبت من عصمة الأنبياء، بل ظاهر الخبر أن

إبليس مُمَكَّن من مس كل مولود عند ولادته، لكن مَن كان مِن عباد الله

المخلصين لم يضرّه ذلك المسّ أصلاً، واستُثني من المخلصين مريم وابنها،

فإنه ذهب يمس على عادته، فحيل بينه وبين ذلك، فهذا وجه الاختصاص، ولا

يلزم منه تسلطه على غيرهما من المخلصين، وأما قوله: لو ملك إبليس ...

إلخ، فلا يلزم من كونه جعل له ذلك عند ابتداء الوضع، أن يستمر ذلك في

حقّ كل أحد، وقد أورد الفخر الرازيّ هذا الإشكال، وبالغ في تقريره، على

عادته، وأجمل الجواب، فما زاد على تقريره أن الحديث خبر واحد وَرَدَ على

خلاف الدليل؛ لأن الشيطان إنما يُغوي من يعرف الخير والشر، والمولود

بخلاف ذلك، وأنه لو مُكّن من هذا القدر لفعل أكثر من ذلك، من إهلاك،

وإفساد، وأنه لا اختصاص لمريم وعيسى بذلك، دون غيرهما، إلى آخر كلام

"الكشاف".

ثم أجاب بأن هذه الوجوه محتملة، ومع الاحتمال لا يجوز دفع الخبر.

انتهى.

قال الحافظ: وقد فتح الله تعالى بالجواب كما تقدم، والجواب عن

إشكال الإغواء يُعْرَف مما تقدم أيضاً، وحاصله: أن ذلك جُعل علامة في

الابتداء على من يتمكن من إغوائه، والله أعلم. انتهى (?).

[فائدة]: ذكر عبد الرزاق في "تفسيره"، قال: نا المنذر بن النعمان

الأفطس، أنه سمع وهب بن مُنَبِّه يقول: لمّا وُلد عيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ- أتت الشياطين

إبليس، فقالوا: أصبحت الأصنام قد نَكّست رؤوسها، فقال: هذا حادث

حَدَث، مكانَكُم، وطار حتى جاء خافقي الأرض، فلم يجد شيئاً، ثم جاء

البحار، فلم يقدر على شيء، ثم طار أيضاً، فوجد عيسى قد وُلد عند مذود

حمار، فإذا الملائكة قد حَفَّت حوله، فرجع إليهم، فقال: إن نبياً قد وُلد

البارحة، وما حملت أنثى قطّ، ولا وضعت إلا وأنا بحضرتها، إلا هذه،

طور بواسطة نورين ميديا © 2015