وكمالها الشجاعة، ثانيها: الشهوانية، وكمالها الجود، ثالثها: العقلية، وكما لها
النطق بالحكمة، وقد أشار أنس - رضي الله عنه - إلى ذلك بقوله: "أحسن الناس"؛ لأن
الحسن يَشْمَل القول والفعل، ويَحْتَمِل أن يكون المراد بأحسن الناس: حسن
الْخِلْقة، وهو تابع لاعتدال المزاج الذي يتبع صفاء النفس الذي منه جَوْدة
القريحة التي تنشأ عنها الحكمة، قاله الكرمانيّ -رحمه الله- (?).
(وَلَقَدْ فَزع) بكسر الزاي، يقال: فَزع منه فَزَعاً، فهو فَزع، من باب تَعِبَ:
خاف، وأفزعته، وفَزّعته، ففزعَ، وفَزِعت إليه: لجأت، وهو مَفْزَعٌ؛ أي:
ملجأ، قاله الفيّوميّ -رحمه الله- (?). (أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ)؛ أي: ليلة من الليالي،
وقال في "الفتح": قوله: "ولقد فَزعَ أهلُ المدينة"؛ أي: سمعوا صوتاً في
الليل، فخافوا أن يَهْجُم عليهم العدوّ. انتهى (?).
وفي رواية قتادة التالية: "كان بالمدينة فَزَع، فاستعار النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - فرساً لأبي
طلحة، يقال له: مندوب، فركبه ... ". (فَانْطَلَقَ نَاسٌ) من الصحابة (قِبَلَ
الصَّوْتِ)؛ أي: جهته، (فَتَلَقَّاهم رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -)، وفي رواية للبخاريّ:
"فاستقبلهم النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - "، حال كونه (رَاجِعًا) من قِبَل الصوت، (وَقَدْ سَبَقَهُمْ اِلَى
الصَّوْتِ) جملة حاليّة من الفاعل؛ أي: أنه سبق الناس إلى الصوت، فاستكشف
الخبر، فلم يجد ما يُخاف منه، فرجع يُسكّنهم، وقوله: (وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ) حال
أيضًا، (لأبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهل، زوج أم أنس - رضي الله عنهم -، (عُرْيٍ) بضمّ العين
المهملة، وسكون الراء، يقال: فرس عُرْيٌ: لا سرج عليه، وُصف بالمصدر،
ثم جُعل اسمًا، وجُمِعَ، فقيل: خيلٌ أَعْراءٌ، مثلُ قُفْلٍ وأَقْفَال، قالوا: ولا
يقال: فرسٌ عُريان، كما لا يقال: رجلٌ عُرْيٌ، قاله الفيّومي -رحمه الله- (?)، وقوله:
(فِي عُنُقِهِ السَّيْفُ) جملة حاليّة أيضًا، وكذا قوله: (وَهُوَ) - صلى الله عليه وسلم - (يَقُولُ: "لَمْ
تُرَاعُوا، لَم تُرَاعُوا")؛ أي: لا يصيبكم روعٌ مستقرّ، أو روع يضرّكم، وقال
القرطبيّ -رحمه الله-: أي: لم يصبكم رَوْعٌ، أو لا رَوْعَ عليكم (?).