الحديث على الأصل المرفوض، كما قد جاء في قول طرفة بن العبد [من
البسيط]:
إِذَا الرّجَالُ شَتَوْا وَاشْتَدّ أَكْلُهُمُ ... فأنت أبْيَضُهم سِرْبالَ طَبَّاخِ
وكما قد جاء قوله - صلى الله عليه وسلم -: "توافُون سبعين أمَّة أنتم أخْيَرهم"، رواه
الدارميّ؛ أي: خَيْرهم، وكما قد جاء عنه - صلى الله عليه وسلم -: "لينتهينّ أقوامٌ عن وَدْعهم
الجمعات"، رواه مسلم، وكل ذلك جاء مَنْبَهَةً على الأصل المرفوض،
والمستعمل الفصيح كما جاء في الرواية الأخرى: "أشدّ بياضاً من الثلج"، ولا
معنى لقول من قال من مُتعسِّفة النحاة: لا يجوز التلفظ بهذه الأصول
المرفوضة؛ مع صحَّة هذه الروايات، وشهرة تلك الكلمات. انتهى (?).
وقال في "الفتح": قوله: "ماؤه أبيض من اللبن" قال المازريّ: مقتضى
كلام النحاة أن يقال: أشدّ بياضاً، ولا يقال: أبيض من كذا، ومنهم من أجازه
في الشعر، ومنهم من أجازه بقلّة، ويشهد له هذا الحديث وغيره.
قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يكون ذلك من تصرف الرواة، فقد وقع في
رواية أبي ذرّ عند مسلم بلفظ: "أَشَدّ بياضاً من اللبن"، وكذا لابن مسعود عند
أحمد، وكذا لأبي أمامة عند ابن أبي عاصم. انتهى (?).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "من تصرّف الرواة" فيه نظر لا يخفى، بل
الأَولى أن يُجعل لغة، وإن كانت قليلة، فتأملّ بالإمعان، ثم رأيت العينيّ -رَحِمَهُ اللهُ-
تعقّب الحافظ في هذا، ونصّه: قلت: القول بأن هذا جاء من النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أَولى
من نسبة الرواة إلى الغلط، على زعم النحاة، واستشهاده لذلك برواية مسلم لا
يفيده؛ لأنه لا مانع أن يكون النبيّ - صلى الله عليه وسلم - استَعْمَل أفعل التفضيل من اللون،
فيكون حجة على النحاة. انتهى (?).
قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد العينيّ -رَحِمَهُ اللهُ- في هذا التعقّب، وأفاد،
والله تعالى أعلم.