المشيخة لَمّا ظهر له أنه أرجح من رأي غيرهم، ممن خالفهم، ووجه أرجحية

هذا الرأي، أنه جمع فيه بين الحزم، والأخذ بالحذر، وبين التوكل، والإيمان

بالقدر، وبيان ذلك بحجَّة عمر على أبي عبيدة - رضي الله عنهما - حين قال له: "أفراراً من

قدر الله؟ "، وذلك أن أبا عبيدة ظهر له أن لا يرجع، ويتوكل على الله، ويُسلم

للقدر؛ لأنَّ ما يقدَّر عليه لا ينجيه منه رجوع، ولا فرار، فأجابه عمر - رضي الله عنه - بأن

قال: "لو غيرك قالها". انتهى (?).

(فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَزَاحِ)، وهو أمير الشام إذ ذاك: (أَفِرَاراً مِنْ

قَدَرِ اللهِ؟ )؛ أي: أترجع فراراً من قدر الله؟ فالهمزة للاستفهام الانكاريّ،

و"فراراً" مفعول من أجله، وَيحْتَمِل أن يكون مفعولاً مطلقاً لمحذوف؛ أي:

أتفرّ فراراً؟ وفي رواية هشام بن سعد: "وقالت طائفة، منهم أبو عبيدة: أَمِنَ

الموت نَفِرّ؟ إنما نحن بقَدَر، لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا".

[تنبيه]: أخرج الطحاوفي بسند صحيح، عن أنس - رضي الله عنه -: "أن عمر أتى

الشام، فاستقبله أبو طلحة، وأبو عبيدة، فقالا: يا أمير المؤمنين إن معك وجوه

الصحابة، وخيارهم، وإنا تركنا مَن بعدنا مثل حريق النار، فارجع العام،

فرجع".

قال الحافظ - رحمه الله -: هذا في الظاهر يعارض حديث الباب، فإن فيه الجزمَ

بأن أبا عبيدة أنكر الرجوع.

ويمكن الجمع بأن أبا عبيدة أشار أوّلاً بالرجوع، ثم غلب عليه مقام

التوكل لَمّا رأى أكثر المهاجرين والأنصار جنحوا إليه، فرجع عن رأي

الرجوع، وناظر عمر في ذلك، فاستظهر عليه عمر بالحجة، فتبعه، ثم جاء

عبد الرحمن بن عوف بالنصّ، فارتفع الإشكال. انتهى (?).

(فَقَالَ عُمَرُ) - رضي الله عنه -: (لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ)؛ أي: لعاقبته، أو لكان

أولى منك بذلك، أو لم أتعجب منه، ولكني أتعجب منك مع علمك،

وفضلك، كيف تقول هذا؟ وَيحْتَمِل أن يكون المحذوف: لأدّبته، أو هي

طور بواسطة نورين ميديا © 2015