يعني: قولهم: لو كان كذا، لم يكن كذا، ويقال: إنه ما فَرّ أحد من الطاعون،

فنجا. انتهى (?).

وقال ابن دقيق العيد - رحمه الله -: الذي يترجح عندي في النهي عن الفرار،

والنهي عن القدوم، أن الإقدام عليه تَعَرُّض للبلاء، ولعله لا يصبر عليه، وربما

كان فيه ضرب من الدعوى لمقام الصبر، أو التوكل، فمُنِع ذلك لاغترار

النفس، ودعواها ما لا تثبت عليه عند التحقيق، وأما الفرار فقد يكون داخلاً

في باب التوغل في الأسباب، متصوراً بصورة من يحاول النجاة مما قُدّر عليه،

فيقع التكلف في القدوم، كما يقع التكلف في الفرار، فأمر بترك التكلف

فيهما، ونظير ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تتمنوا لقاء العدوّ، وإذا لقيتموهم فاصبروا"،

متّفقٌ عليه، فأمرهم بترك التمني؛ لِمَا فيه من التعرض للبلاء، وخوف الاغترار

بالنفس؛ إذ لا يؤمَن غدرها عند الوقوع، ثم أَمَرَ بالصبر عند الوقوع؛ تسليماً

لأمر الله تعالى. انتهى (?).

(وَقَالَ أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أميّة في روايته بدل قول محمد بن

المنكدر: "فلا تخرجوا فراراً منه": ("لَا يُخْرِجُكُمْ إِلَّا فِرَارٌ مِنْهُ") برفع "فرارٌ"،

قال النوويّ - رحمه الله -: وقع في بعض النُّسخ: "فرارٌ" بالرفع، وفي بعضها: "فراراً"

بالنصب، وكلاهما مشكل من حيث العربيةُ، والمعنى، قال القاضي عياض:

وهذه الرواية ضعيفة عند أهل العربية، مفسدة للمعنى؛ لأن ظاهرها المنع من

الخروج لكل سبب، إلا للفرار، فلا منع منه، وهذا ضدّ المراد، وقال جماعة:

إن لفظة إلّا هنا غلط من الراوي، والصواب حذفها، كما هو المعروف في

سائر الروايات، قال القاضي: وخرّج بعض محققي العربية لرواية النصب

وجهاً، فقال: هو منصوب على الحال، قال: ولفظة "إلّا" هنا للإيجاب، لا

للاستثناء، وتقديره: لا تخرجوا إذا لم يكن خروجكم إلا فراراً منه، والله

أعلم. انتهى (?).

طور بواسطة نورين ميديا © 2015