أما الوباء فمهموزٌ مقصورٌ وممدودٌ لغتان: القصر أفصح، وأشهر، وأما
الطاعون فهو قُروح تخرج في الجسد، فتكون في المرافق، أو الآباط، أو
الأيدي، أو الأصابع، وسائر البدن، ويكون معه وَرَمٌ، وألم شديد، وتخرج
تلك القروح مع لهيب، وَيسْوَدّ ما حواليه، أو يَخْضَرّ، أو يَحْمَرّ حمرة بَنفسجية؛
كَدِرةً، وَيحصل معه خَفَقان القلب، والقيء، وأما الوباء فقال الخليل وغيره:
هو الطاعون، وقال: هو كل مرض عامّ، والصحيح الذي قاله المحققون: أنه
مرض الكثيرين من الناس في جهة من الأرض، دون سائر الجهات، ويكون
مخالفأ للمعتاد من أمراض في الكثرة، وغيرها، ويكون مرضهم نوعاً واحداً،
بخلاف سائر الأوقات، فإن أمراضهم فيها مختلفة، قالوا: وكل طاعون وباء،
وليس كل وباء طاعوناً، والوباء الذي وقع في الشام في زمن عمر - رضي الله عنه - كان
طاعوناً، وهو طاعون عَمَوَاس، وهي قرية معروفة بالشام، وقد سبق في شرح
مقدمة الكتاب في ذكر الضعفاء من الرواة، عند ذكره طاعون الجارف، بيان
الطواعين، وأزمانها، وعددها، وأماكنها، ونفائس مما يتعلق بها. انتهى (?).
(فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ)؛ أي: بالطاعون، (بِأَرْضٍ، فَلَا تَقْدَمُوا) بفتح الدال
المهملة، من باب تعب، (عَلَيْهِ) ليكون أسكن لأنفسكم، وأقطع لوسواس
الشيطان، ولأن الله تعالى أمر أن لا يُتَعَرَّض للْحَتْف والبلاء، وإن كان لا نجاة
من قَدَر الله، إلا أنه من باب الحذر الذي شرعه الله، ولئلا يقول القائل: لو لم
أدخل لم أَمْرَض، ولو لم يدخل فلان لم يمت (?). (وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ
بِهَا)؛ أي: بتلك الأرض، (فَلَا تَخْرُجُوا فِرَاراً مِنْهُ")؛ أي: لأجل الفرار من
الطاعون، وفيه أن الخروج لعارض لا بأس به، وقال ابن عبد البرّ - رحمه الله -: وأما
نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن القدوم عليه، وعن الفرار منه، فلئلا يلوم أحدهم بعد ذلك نفسه،
إن مَرِضَ منه، فمات، أو يقول غيره: لو لم يَقْدَم عليه، أو فَرّ منه لنجا، ونحو
هذا، فيلومون أنفسهم فيما لا لوم عليهم فيه؛ لأن الباقي، والناهض، لا
يتجاوز أحد منهم أجله، ولا يستأخر عنه، وفيه جاء النهي عن اللوم مطلقاً؛