وأما حديث جابر - رضي الله عنه - فيقتضي: أن النهي عن ذلك إنما كان؛ لأنَّ ذلك

الاسم لا يصدق على غيره صِدْقه عليه، ولذلك قال متصلًا بقوله: "تسمَّوا

باسمي، ولا تكتنوا بكنيي، فإني أنا أبو القاسم أقسم بينكم"، وفي الأخرى:

"فإنما بعثت إليكم قاسِمًا"؛ يعني: أنه هو الذي يبيّن قَسْم الأموال في

المواريث، والغنائم، والزكوات، والفيء، وغير ذلك من المقادير، فيُبلغ عن الله

حُكْمه، ويبيِّن قَسْمه. وليس ذلك لأحدٍ، إلَّا له، فلا يُطلق هذا الاسم في

الحقيقة إلَّا عليه، وعلى هذا التأويل الثاني: فلا يكتني أحدٌ بأبي القاسم، لا

في حياته، ولا بعد موته، وإلى هذا ذهب بعض السَّلف، وأهل الظاهر،

وزادت طائفة أخرى من السَّلف مَنْع التسمية بالقاسم؛ لئلا يكنى أبوه بأبي

القاسم.

وذهبت طائفة ثالثة من السلف أيضًا إلى أن الممنوع إنما هو الجمع بين

اسمه وكنيته، واستدلوا على ذلك بما رواه الترمذيّ عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: "أن

رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى أن يجمع أحدٌ بين اسمه وكنيته، ويسمِّي محمدًا أبا

القاسم"، قال: حديث حسن صحيح، وعلى هذا فيجوز أن يكتني بأبي القاسم

من لَمْ يكن اسمه محمدًا.

وذهب الجمهور من السلف والخلف، وفقهاء الأمصار: إلى جواز كلّ

ذلك، فله أن يجمع بين اسمه وكنيته، وله أن يسمي بما شاء من الاسم والكنية

بناءً على أنَّ كلّ ما تقدَّم إما منسوخ، وإما مخصوص به - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، واحتجوا على

ذلك بما رواه الترمذيّ، وصححه، من حديث عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -

المتقدم، وبما رواه أبو داود عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: جاءت امرأة إلى النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -،

فقالت: يا رسول الله! إني ولدتُ غلامًا فسمّيته: محمدًا، وكَنَيته بأبي القاسم،

فذكر لي أنك تكره ذلك، فقال: "ما الذي أَحل اسمي، وحرَّم كُنيتي؟ "، أو:

"ما الذي حرّم كُنيتي، وأحلّ اسمي؟ ! "، ويتأيَّد النَّسخ بما ثبت: أن جماعة

كثيرة من السَّلف وغيرهم سمُّوا أولادهم باسمه، وكنوهم بكنيته جمعًا وتفريقًا،

وكان هذا أمرًا معروفًا معمولًا به في المدينة وغيرها، فقد صارت أحاديث

الإباحة أَولى؛ لأنَّها: إما ناسخة لأحاديث المنع، وإما مرجحة بالعمل

المذكور، والله تعالى أعلم.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015