ولا ريب أنهم أبعد طوائف المبتدعة عن الكتاب والسنّة، ولهذا كانوا هم المشهورين عند العامة بالمخالفة للسنة، فجمهور العامة لا تعرف ضدّ السنيّ إلا الرافضيّ، فإذا قال أحدهم: أنا سنّيّ، فإنما معناه لست رافضيّا، ولا ريب أنهم شرّ من الخوارج، لكن الخوارج كان لهم في مبدئ الإسلام سيف على أهل الجماعة، وموالاتهم الكفّار أعظم من سيوف الخوارج، فإن القرامطة والإسماعيليّة ونحوهم من أهل المحاربة لأهل الجماعة، وهم منتسبون إليهم، وأما الخوارج فهم معروفون بالصدق، والروافض معروفون بالكذب، والخوارج مَرَقُوا من الإسلام، وهؤلاء نابذوا الإسلام.
وأما القدريّة المحضة، فهم خير من هؤلاء بكثير، وأقرب إلى الكتاب والسنّة، لكن المعتزلة وغيرهم من القدريّة هم جهميّة أيضًا، وقد يكفّرون من خالفهم، ويستحلّون دماء المسلمين، فيقربون من أولئك.
وأما المرجئة فليسوا من هذه البدع المغلّظة، بل قد دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة، وما كانوا يُعَدُّون إلا من أهل السنّة حتى تغلظ أمرهم بما زادوه من الأقوال المغلّظة.
ولَمّا كان قد نُسب إلى الإرجاء والتفضيل قوم مشاهير متَّبَعون تكلّم أئمة السنة المشاهير في ذمّ المرجئة المفضّلة تنفيرًا عن مقالتهم، كقول سفيان الثوريّ: مَن قدّم عليًّا على أبي بكر والشيخين فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، وما أدري يصعد له إلى الله عمل مع ذلك، ونحو هذا القول، قاله لما نُسب إلى تقديم عليّ بعضُ أئمة الكوفيين، وكذلك قول أيوب السختيانيّ: من قدّم عليًّا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، قاله لما بلغه ذلك عن بعض أئمة الكوفيين، وقد روي أنه رجع عن ذلك، وكذلك قول الثوريّ ومالك والشافعيّ وغيرهم في ذمّ المرجئة لما نُسب إلى الإرجاء بعض المشهورين.
وكلام الإمام أحمد في هذا الباب جارٍ على كلام من تقدّم من أئمة الهدى، ليس له قولٌ ابتدعه، ولكن أظهر السنة وبيّنها، وذبّ عنها، وبيّن حال مخالفيها، وجاهد عليها، وصبر على الأذى فيها لَمّا أُظهرت الأهواء والبدع، وقد قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24)} [السجدة: 24]، فالصبر واليقين بهما تنال الإمامة في الدين، فلما قام بذلك