وجنحت طائفة -منهم الماورديّ- إلى أن بعضها فتح عنوة لِمَا وقع من

قصّة خالد بن الوليد المذكورة، وقرر ذلك الحاكم في "الإكليل".

قال الحافظ: والحقّ أن صورة فتحها كان عنوة، ومعاملة أهلها معاملة

من دخل بأمان.

ومنع جمعٌ منهم السهيليّ ترتب عدم قسمتها، وجواز بيع دُورها،

وإجارتها على أنها فُتحت صلحًا:

أما أوّلًا: فلأن الإمام مخيّر في قسمة الأرض بين الغانمين، إذا انتُزِعَت

من الكفار، وبين إبقائها وقفًا على المسلمين، ولا يلزم من ذلك منع بيع

الدور، وإجارتها.

وأما ثانيًا: فقال بعضهم: لا تدخل الأرض في حكم الأموال؛ لأن من

مضى كانوا إذا غلبوا على الكفار لم يغنموا الأموال، فتنزل النار، فتأكلها،

وتصير الأرض عمومًا لهم، كما قال الله تعالى: {ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي

كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} الآية [المائدة: 21]. وقال: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ

مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا} الآية [الأعراف: 137]. والمسألة مشهورة فلا نطيل بها

هنا، قاله في "الفتح" (?).

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجح عندي قول من قال: إن مكة

فتحت عنوة؛ لوضوح أدلته المتقدّمة، ولا يلزم من ذلك عدم قسمتها بين

الغانمين، لأن للإمام أن يمتنّ على أهل البلد بما رأى، فقد منّ -صلى الله عليه وسلم- على أهل

مكة بأنفسهم، وأموالهم، فتأمل، وستكون لنا عودة إلى تكميل ما تبقّى من

البحث في محله -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه

المرجع والمآب.

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله المذكور أولَ الكتاب قال:

[3304] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا

مُفَضَّلٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: "يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ

طور بواسطة نورين ميديا © 2015