قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما قاله الدارقطنيّ رَحِمَهُ اللهُ أن رواية
الشيخين لهذا الحديث هي الصحيحة، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رَحِمَهُ اللهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[3273] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ قَزَعَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ
الْخُدْرِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَرْبَعًا، فَأَعْجَبْنَنِي، وَآنَقْنَني: نَهَى أَنْ تُسَافِرَ
الْمَرْأَةُ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ، إِلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ، وَاقْتَصَّ بَاقِيَ الْحَدِيثِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب
[9] (ت 3 أو 194) (ع) تقدم في "المقدمة" 2/ 2.
2 - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة المشهور [7] (ت 160) (ع) تقدّم
في "شرح المقدّمة" جـ 1 ص 381.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (فَأَعْجَبْنَنِي، وَآنَقْنَنِي) قال القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ: معنى "آنقنني":
أعجبنني، وإنما كرر المعنى، لاختلاف اللفظ، والعرب تفعل كرطك كثيرًا للبيان
والتوكيد، قال الله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} الآية [البقرة:
157] والصلاة من الله الرحمة، وقال تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا} الآية
[الأنفال: 69]، والطيب هنا الحلال، ومنه قول الْحُطيئة [من الطويل]:
أَلَا حَبَّذَا هِنْدٌ وَأرْضٌ بِهَا هِنْدٌ ... وَهْنْدٌ أَتَى مِنْ دُوبهَا النَّأْيُ وَالْبُعْدُ
وقال آخر [من الوافر]:
يَبْكِيكَ نَاءٍ بَعِيدُ الدَّارِ مُغْتَرِبٌ ... يَا لَلْكُهُولِ وَللشُّبَّانِ مُغْتَرِبُ
ومثله في حديث ابن مسعود -رضي الله عنه-: "إذا وقعت في آل حاميم وقعت في
روضات أتأنّق فيهنّ"، قال أبو عبيد: أي أتتبع محاسنهنّ، وقال أبو حمزة:
معناه: أستلذّ بقراءتهنّ، والأنَقُ: الفرَح والسرور، والشيء الأنيق: العجِبُ،