بها، فمهما سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، كان مقطوعًا عنده بصدقه، فإذا اعتقده لم يكن مقلدًا؛ لأنه لم يأخذ بقول غيره بغير حجة، وهذا مستند السلف قاطبة، في الأخذ بما ثبت عندهم من آيات القرآن، وأحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيما يتعلق بهذا الباب، فآمنوا بالمحكم من ذلك، وفوّضوا أمر المتشابه منه إلى ربهم، وإنما قال من قال: إن مذهب الخلف أحكم بالنسبة إلى الرد على من لم يثبت النبوة، فيحتاج من يريد رجوعه إلى الحق أن يقيم عليه الأدلة إلى أن يُذعن فيسلم، أو يعاند فيهلك، بخلاف المؤمن، فإنه لا يحتاج في أصل إيمانه إلى ذلك، وليس سبب الأول إلا جعل الأصل عدم الإيمان، فلزم إيجاب النظر المؤدي إلى المعرفة، وإلا فطريق السلف أسهل من هذا، كما تقدم إيضاحه من الرجوع إلى ما دلت عليه النصوص، حتى يحتاج إلى ما ذكر من إقامة الحجة على من ليس بمؤمن، فاختلط الأمر على من اشترط ذلك، والله المستعان.

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رَدّ من لم يُثبِتِ النبوّة لا يكون بما سلكه المتكلّمون من النظر، وإنما يكون بما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، واقتدى به في ذلك أصحابه - رضي الله عنهم - ومن تبعهم بإحسان، من إقامة الحجة على من لم يُثبت نبوته - صلى الله عليه وسلم -، فليس هذا النفي جديدًا في الأمة، وإنما هو من أول ما جاء الإسلام، فقد قال الله تعالى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا} الآية [الرعد: 43]، وقال تعالى: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41)} الآية [الفرقان: 41]، إلى غير ذلك من الآيات، فالطريق الذي سلكه - صلى الله عليه وسلم - في إقناع هؤلاء ونحوهم، وإلزامهم الحجج القاهرة لهم، هو الطريق الصحيح، وأما طريق المتكلمين، فضلالٌ مبين، فتنبّه لهذا هداني الله وإياك إلى الصراط المستقيم.

واحتج بعض من أوجب الاستدلال، باتفاقهم على ذم التقليد، وذكروا الآيات، والأحاديث الواردة في ذم التقليد، وبأن كل أحد قبل الاستدلال، لا يدري أيّ الأمرين هو الهدى؟ وبأن كل ما لا يصح إلا بالدليل، فهو دعوى لا يُعْمَل بها، وبأن العلم اعتقاد الشيء على ما هو عليه، من ضرورة، أو استدلال، وكل ما لم يكن علمًا فهو جهل، ومن لم يكن عالمًا فهو ضالّ.

والجواب عن الأول أن المذموم من التقليد أخذ قول الغير بغير حجة،

طور بواسطة نورين ميديا © 2015