فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ تَبَدَّى لِنَاظِرِي ... سَنَا بَارِقٍ يَبْدُو كَخَيْطٍ مِنَ الْفَجْرِ
فَقُلْتُ لِصحْبِي هَلْ تَرَوْنَ الَّذِي أَرَى ... فَقَالُوا اتَّئِدْ ذَاكَ السَّرَابُ الَّذِي يَجْرِي
فَخَلَّفْتُهُمْ خَلْفِي وَأَقْبَلْتُ نَحْوَهُ ... فَأَوْرَدَنِي عَيْنَ الْحَيَاةِ لَدَى الْبَحْرِ
فَنَادَيْتُ أَصْحَابِي فَمَا سَمِعُوا النِّدَا ... وَلَوْ سَمِعُوهُ مَا اسْتَجَابُوا إِلَى الْحَشْرِ
فهذا اعتراف هؤلاء الفضلاء في آخر سيرهم بما أفادتهم الأدلّة العقليّة من ضدّ اليقين، ومن الحيرة والشّكّ، فمن الذي شكا من القرآن والسنّة، والأدلّة اللفظيّة هذه الشكاية؟ ومن الذي ذكر أنها حيّرته ولم تهده؟ أو ليس بها هَدَى الله أنبياءه ورسله وخِيرةَ خلقه؟ قال تعالى لأكمل خلقه وأوفرهم عقلًا: {قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي} الآية [سبأ: 50].
فهذا أكمل الخلق عقلًا صلوات الله وسلامه عليه يُخبر أن اهتداءه بالأدلة اللفظيّة التي أوحاها الله إليه، وهؤلاء المتهوّكون المتحيّرون يقولون: إنها لا تفيد يقينًا ولا علمًا، ولا هدى، وهذا موضع المثَل المشهور: "رمتني بدائها وانسلّت". انتهى كلام ابن القيّم رحمه الله (?)، وهو شافٍ كافٍ لمن أراد الهدى والرشاد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقال القرطبي رحمه الله: ولو لم يكن في الكلام شيء يُذمُّ به إلا مسألتان، هما من مبادئه، لكان حقيقًا بالذمّ، وجديرًا بالذكر:
[إحداهما]: قول طائفة منهم: إن أول الواجبات الشك في الله تعالى؛ إذ هو اللازم عن وجوب النظر، أو القصد إلى النظر، وإليه أشار الإمام بقوله: ركبت البحر.
[والثانية]: قول جماعة منهم إنّ من لم يعرف الله تعالى بالطرق التي طرّقوها، والأبحاث التي حرّروها، فلا يصح إيمانه، وهو كافر، فيلزمهم على هذا تكفير أكثر المسلمين، من السلف الماضين، وأئمة المسلمين، وأن من يبدأ بتكفيره أبيه وأسلافه، حتى لقد أُورد على بعضهم أن هذا يلزم منه تكفير أبيك وأسلافك وجيرانك، فقال: لا تُشَنِّع علي بكثرة أهل النار. قال: وقد رَدّ بعض من لم يقل بهاتين المسألتين من المتكلّمين على من قال بهما، بطريق من النظر