لم يصدر منه سوى السؤال، ومع ذلك فقد سماه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - معلمًا، وقد اشتهر قولهم: "حُسنُ السؤال نصف العلم"، ويمكن أن يؤخذ من هذا الحديث؛ لأن الفائدة فيه انْبَنَتْ على السؤال والجواب معًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في إتمام البحث المتعلّق بتفسير الإحسان.
قال في "الفتح": دل سياق الحديث، على أن رؤية الله في الدنيا بالأبصار غير واقعة، وأما رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم -، فذاك لدليل آخر، وقد صرح مسلم في روايته، من حديث أبي أُمامة - رضي الله عنه - بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رؤية النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لربه يَقَظَةً ببصره مسألة اختُلف فيها، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في محلّه، مع ترجيح القول بعدمها؛ لقوة أدلته. والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في "شرح البخاريّ": وأما الإحسان ففسّره بنفوذ البصائر في الملكوت حتى يصير الخبر للبصيرة كالعيان، فهذه أعلى درجات الإيمان، ومراتبه، ولتفاوت المؤمنون، والمحسنون في تحقيق هذا المقام تفاوتًا كثيرًا بحسب تفاوتهم في قوة الإيمان والإحسان، وقد أشار النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك ههنا بقوله: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك". قيل: المراد أن نهاية مقام الإحسان أن يعبد المؤمن ربّه كأنه يراه بقلبه، فيكون مستحضرًا ببصيرته وفكرته لهذا المقام، فإن عجز عنه، وشقّ عليه انتقل إلى مقام آخر، وهو أن يعبد الله على أن الله يراه، ويطلع على سرّه وعلانيته، ولا يخفى عليه شيء من أمره. وقد وصّى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - طائفة من أصحابه أن يعبدوا الله كأنهم يرونه، منهم ابن عمر، وأبو ذرّ - رضي الله عنهم -، ووصّى معاذًا - رضي الله عنه - أن يستحيي من الله كما يستحي من رجل ذي هيبة من أهله.
قال بعض السلف: من عمل لله على المشاهدة، فهو عارف، ومن عمل على مشاهدة الله إياه فهو مخلص، فهذان مقامان:
[أحدهما]: مقام المراقبة، وهو أن يستحضر العبد قرب الله منه، واطّلاعه عليه، فيتخايل أنه لا يزال بين يدي الله تعالى، فيراقبه في حركاته،