مَنْ قَالَ " الْأَصْلُ فِي النَّاسِ الْعَدَالَةُ " كَلَامٌ مُسْتَدْرَكٌ. بَلْ الْعَدَالَةُ حَادِثَةٌ تَتَجَدَّدُ. وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا. فَإِنَّ خِلَافَ الْعَدَالَةِ مُسْتَنَدُهُ جَهْلُ الْإِنْسَانِ وَظُلْمُهُ. وَالْإِنْسَانُ جَهُولٌ ظَلُومٌ. فَالْمُؤْمِنُ يَكْمُلُ بِالْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ. وَهُمَا جِمَاعُ الْخَيْرِ وَغَيْرُهُ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْعَدَالَةُ وَالْفِسْقُ مَبْنِيَّانِ عَلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِ. فَإِنْ قُلْنَا: تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَسْتُورِي الْحَالِ، فَالْأَصْلُ فِيهِ: الْعَدَالَةُ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا تُقْبَلُ. فَالْأَصْلُ فِيهِ: الْفِسْقُ. قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّ الْمُسْلِمَ لَيْسَ الْأَصْلُ فِيهِ الْفِسْقُ. لِأَنَّ الْفِسْقَ قَطْعًا يَطْرَأُ. وَالْعَدَالَةُ أَيْضًا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا تَطْرَأُ. لَكِنَّ الظَّنَّ فِي الْمُسْلِمِ الْعَدَالَةَ أَوْلَى مِنْ الظَّنِّ بِهِ الْفِسْقَ. وَمِمَّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُسْلِمِ الْعَدَالَةُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ «مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إلَّا عَلَى الْفِطْرَةِ. فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» .

قَوْلُهُ (وَإِذَا عَلِمَ الْحَاكِمُ عَدَالَتَهُمَا: عَمِلَ بِعِلْمِهِ) . هَكَذَا عِبَارَةُ غَالِبِ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِي عِبَارَةِ غَيْرِ وَاحِدٍ: وَيَحْكُمُ بِعِلْمِهِ فِي عَدَالَةِ الشَّاهِدِ وَجَرْحِهِ لِلتَّسَلْسُلِ. قَالَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ. وَلِأَنَّهُ يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ. فَلَا تُهْمَةَ. وَقَالَ هُوَ وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُمَا: هَذَا لَيْسَ بِحُكْمٍ. لِأَنَّهُ يُعَدَّلُ هُوَ وَيُجَرَّحُ غَيْرُهُ. وَيُجَرَّحُ هُوَ وَيُعَدَّلُ غَيْرُهُ. وَلَوْ كَانَ حُكْمًا: لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ نَقْضُهُ. قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: إنَّمَا الْحُكْمُ بِالشَّهَادَةِ، لَا بِهِمَا.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015