واسأل بمصقلة البكري ما فعلا
وأجاز الزمخشري أن تكون: كم، هنا خبرية، قال: فإن قلت: كم استفهامية أم خبرية؟
قلت: يحتمل الأمرين، ومعنى الاستفهام فيها التقدير. انتهى كلامه. وهو ليس بجيد، لأن جعلها خبرية هو اقتطاع للجملة التي هي فيها من جملة السؤال، لأنه يصير المعنى: سل بني إسرائيل، وما ذكر المسؤول عنه، ثم قال: كثيراً من الآيات آتيناهم، فيصير هذا الكلام مفلتاً مما قبله، لأنه جملة: كم آتيناهم، صار خبراً صرفاً لا يتعلق به: سل، وأنت ترى معنى الكلام، ومصب السؤال على هذه الجملة، فهذا لا يكون إلاَّ في الإستفهامية، ويحتاج في تقرير الخبرية إلى تقدير حذف، وهو المفعول الثاني: لسل، ويكون المعنى: سل بني إسرائيل عن الآيات التي آتيناهم، ثم أخبر تعالى أن كثيراً من الآيات آتيناهم.
{مِنْءَايَةٍ} تمييز لـ: كَمْ، ويجوز دخول: من، على تمييز الاستفهامية والخبرية، سواء وليها أم فصل بينهما، والفصل بينهما بجملة، وبظرف، ومجرور، جائز على ما قررنا في النحو، وأجاز ابن عطية أن يكون: من آية، مفعولاً ثانياً: لآتيناهم، وذلك على التقدير الذي قدّره قبل من جواز نصب: كم، بفعل محذوف يفسره: آتيناهم، وعلى التقدير الذي قررناه من أن: كم، تكون كناية عن قوم أو جماعة، وحذف تمييزها لفهم المعنى، فإذا كان كذلك، فإن كانت: كم، خبرية فلا يجوز أن تكون: من آية، مفعولاً ثانياً، لأن زيادة: من، لا تكون في الإيجاب على مذهب البصريين غير الأخفش، وإن كانت استفهامية فيمكن أن يقال: يجوز ذلك فيه لانسحاب الاستفهام على ما قبله، وفيه بعد، لأن متعلق الاستفهام هو المفعول الأول لا الثاني، فلو قلت: كم من درهم أعطيته من رجل، على زيادة: من، في قولك: من رجل، لكان فيه نظر، وقد أمعنا الكلام على زيادة: من، في «منهج السالك» من تأليفنا.
{مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ} وأتى بلفظ: من، إشعاراً بابتداء الغاية.