إن ابن عمر في هذه المسألة جاوز اللفظ ولم يقف عنده، وتوجه مباشرة إلى الغاية والمعنى المقصود من الإيلاء. ورأيه في ذلك له وزنه وقيمته. ويسد الطريق أمام من يهجرون زوجاتهم بقصد الإضرار، آمنين من تطبيق حكم الإيلاء عليهم، ما داموا لم يستكملوا المظهر الشكلي وهو القَسَمَ وَاليَمِينَ.

ومن ذلك أيضًا رأى ابن عمر في حكم المرأة الحامل في رمضان إذا خافت على ولدها وصعب عليها الصيام: فقد سئل عن ذلك فأجاب: «تُفْطِرُ، وَتُطْعِمُ، مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا. مُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -».

ويعلق الإمام مالك على رأي ابن عمر بقوله: «وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَرَوْنَ عَلَيْهَا القَضَاءَ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] وَيَرَوْنَ ذَلِكَ مَرَضًا مِنَ الأَمْرَاضِ مَعَ الخَوْفِ عَلَى وَلَدِهَا» (?).

ولكن رأي ابن عمر في ذلك رأي سديد، فالله تعالى أوجب الصيام على المكلفين. ثم استثنى نوعين: أولهما: المريض والمسافر، بشرط أن يقضيا ما رخص لهما في فطره، وثانيهما: المطيق له، بشرط الفدية. وكأنه يذهب إلى أن معنى الإطاقة هي استطاعة الصوم مع شدة وجهد لا يخلو من ضرر أو خطر. والقول بنسخ هذا الحكم قول مرجوح (?).

وبهذا نكون قد أتينا على ما أردنا بيانه في هذا الكتاب من تحديد أهل الحديث وإثبات أن لهم مذهبًا فقهيًا مستقلاً، وإيضاح اتجاهات سلفهم مِنْ مُحَدِّثِي الصَّحَابَةِ. ونشرع الآن في بيان ملامح مذهب المحدثين ومنهجهم الفقهي.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015