فَإِنْ قِيلَ: وُضُوءُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِعْلٌ مُطْلَقٌ، وَهُوَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ: فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ شَرْطًا فِي الطَّوَافِ.
فَالْجَوَابُ: أَنَّ وُضُوءَهُ لِطَوَافِهِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، قَدْ دَلَّ دَلِيلَانِ عَلَى أَنَّهُ لَازِمٌ لَا بُدَّ مِنْهُ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ، وَهَذَا الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَالتَّحَتُّمِ، فَلَمَّا تَوَضَّأَ لِلطَّوَافِ لَزِمَنَا أَنْ نَأْخُذَ عَنْهُ الْوُضُوءَ لِلطَّوَافِ امْتِثَالًا لِأَمْرِهِ فِي قَوْلِهِ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» .
وَالدَّلِيلُ الثَّانِي: أَنَّ فِعْلَهُ فِي الطَّوَافِ مِنَ الْوُضُوءِ لَهُ، وَمِنْ هَيْئَتِهِ الَّتِي أَتَى بِهِ عَلَيْهَا كُلِّهَا بَيَانٌ وَتَفْصِيلٌ لِمَا أُجْمِلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [22 \ 29] وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ لِبَيَانِ نَصٍّ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، فَهُوَ عَلَى اللُّزُومِ وَالتَّحَتُّمِ. وَلِذَا أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى قَطْعِ يَدِ السَّارِقِ مِنَ الْكُوعِ ; لِأَنَّ قَطْعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلسَّارِقِ مِنَ الْكُوعِ بَيَانٌ وَتَفْصِيلٌ لِمَا أُجْمِلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [5 \ 38] لِأَنَّ الْيَدَ تُطْلَقُ عَلَى الْعُضْوِ إِلَى الْمِرْفَقِ، وَإِلَى الْمَنْكِبِ.
قَالَ صَاحِبُ الضِّيَاءِ اللَّامِعِ فِي شَرْحِ قَوْلِ صَاحِبِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ: وَوُقُوعُهُ بَيَانًا مَا نَصُّهُ: الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبَيَانِ مُجْمَلٍ، إِمَّا بِقَرِينَةِ حَالٍ، مِثْلُ الْقَطْعِ مِنَ الْكُوعِ، فَإِنَّهُ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [5 \ 38] وَإِمَّا بِقَوْلٍ كَقَوْلِهِ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ فُرِضَتْ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَلَمْ تُبَيَّنْ صِفَاتُهَا فَبَيَّنَهَا بِفِعْلِهِ وَأَخْبَرَ بِقَوْلِهِ: أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ بَيَانٌ، وَكَذَا قَوْلُهُ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ، وَحُكْمُ هَذَا الْقِسْمِ وُجُوبُ الِاتِّبَاعِ انْتَهَى. مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ.
وَأَشَارَ فِي مَرَاقِي السُّعُودِ: إِلَى أَنَّ فِعْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَاقِعَ لِبَيَانِ مُجْمَلٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِنْ كَانَ الْمُبَيَّنُ بِصِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ وَاجِبًا فَالْفِعْلُ الْمُبَيِّنُ لَهُ بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ وَاجِبٌ بِقَوْلِهِ:
مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ وَبِالنَّصِّ يُرَى ... وَبِالْبَيَانِ وَامْتِثَالٍ ظَهَرَا
وَمَحَلُّ الشَّاهِدِ مِنْهُ قَوْلُهُ: وَبِالْبَيَانِ يَعْنِي: أَنَّهُ يُعْرَفُ حُكْمُ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْوُجُوبِ أَوْ غَيْرِهِ بِالْبَيَانِ، فَإِذَا بَيَّنَ أَمْرًا وَاجِبًا: كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ، وَقَطْعِ السَّارِقِ بِالْفِعْلِ، فَهَذَا الْفِعْلُ وَاجِبٌ إِجْمَاعًا لِوُقُوعِهِ بَيَانًا لِوَاجِبٍ، إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ دَلِيلٌ خَاصٌّ، وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ طَوَافَ الرُّكْنِ بِقَوْلِهِ: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [22 \ 29] وَقَدْ بَيَّنَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفِعْلِهِ