طَرَفَةَ فِي مُعَلَّقَتِهِ.

وَإِنْ شِئْتُ سَامَى وَاسِطَ الْكُوَرِ رَأَسُهَا ... وَعَامَتْ بِضَبْعَيْهَا نَجَاءَ الْخَفَيْدَدِ

تَقُولُ الْعَرَبُ: ضَبَعَهُ إِذَا مَدَّ إِلَيْهِ ضَبْعَهُ، لِيَضْرِبَهُ. وَمِنْهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ شَاسٍ:

نَذُودُ الْمُلُوكَ عَنْكُمْ وَتَذُودُنَا ... وَلَا صُلْحَ حَتَّى تَضْبَعُونَا وَنَضْبَعَا

؛ أَيْ تَمُدُّونَ أَضْبَاعَكُمْ إِلَيْنَا بِالسُّيُوفِ، وَنَمُدُّ أَضْبَاعَنَا إِلَيْكُمْ، وَقِيلَ: تَضْبَعُونَ؛ أَيْ: تَمُدُّونَ أَضْبَاعَكُمْ لِلصُّلْحِ وَالْمُصَافَحَةِ. وَالطَّاءُ فِي الْإِضْبَاعِ مُبْدَلَةٌ مِنْ تَاءِ الِافْتِعَالِ ; لِأَنَّ الضَّادَ مِنْ حُرُوفِ الْإِطْبَاقِ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمُشَارِ لَهَا بِقَوْلِهِ فِي الْخُلَاصَةِ:

طَاتَا افْتِعَالٍ رُدَّ إِثْرَ مُطْبِقِ ... فِي ادَّانَ وَازْدَدْ وَادَّكِرْ دَالًا بَقِي

الْفَرْعُ الرَّابِعُ: فِي كَلَامِ الْعُلَمَاءِ فِي الطَّوَافِ هَلْ يُشْتَرَطُ لَهُ مَا يُشْتَرَطُ لِلصَّلَاةِ مِنْ طَهَارَةِ الْحَدَثِ، وَالْخَبَثِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ أَوْ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ؟

اعْلَمْ أَنَّ اشْتِرَاطَ الطَّهَارَةِ مِنَ الْحَدَثِ، وَالْخَبَثِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي الطَّوَافِ هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُهُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُهُ، وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.

قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي طَهَارَةِ الْحَدَثِ، عَنْ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ.

وَخَالَفَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ الْجُمْهُورَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَقَالَ: لَا تُشْتَرَطُ لِلطَّوَافِ طَهَارَةٌ، وَلَا سَتْرُ عَوْرَةٍ، فَلَوْ طَافَ جُنُبًا، أَوْ مُحْدِثًا، أَوْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ، أَوْ عُرْيَانًا صَحَّ طَوَافُهُ عِنْدَهُ.

وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي وُجُوبِ الطَّهَارَةِ لِلطَّوَافِ، مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِيهِ. وَمِنْ أَشْهَرِ الْأَقْوَالِ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ إِذَا طَافَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ جُنُبًا، فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ، وَإِنْ طَافَهُ مُحْدِثًا: فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَأَنَّهُ يُعِيدُ الطَّوَافَ بِطَهَارَةٍ مَا دَامَ بِمَكَّةَ، فَإِنْ رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ، فَالدَّمُ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ، وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ لِاشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ لِلطَّوَافِ، بِأَدِلَّةٍ.

مِنْهَا: حَدِيثُ عَائِشَةَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ سَابِقًا بِسَنَدِهِ، وَمَتْنِهِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ: أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَدِمَ: «أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ» الْحَدِيثَ، قَالُوا: فَهَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ صَرَّحَتْ فِيهِ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ بِالْوُضُوءِ قَبْلَ الطَّوَافِ لِطَوَافِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلطَّوَافِ مِنَ الطَّهَارَةِ.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015