فإذا كان الأمر كذلك وأنت تشبّه شخصا بشخص، فإنك إذا شبّهت فعلا بفعل كان هذا حكمه، فأنت تقول مرّة: «كأن

تزيينه لكلامه نظم درّ»، فتصرّح بالمشبّه والمشبّه به، وتقول أخرى: «إنما ينظم درّا»، تجعله كأنه ناظم درّا على الحقيقة.

وتقول في وصف الفرس: «كأن سيره سباحة»، و «كأن جريه طيران طائر»، هذا إذا صرّحت، وإذا أخفيت واستعرت قلت: «يسبح براكبه»، و «يطير بفارسه»، فتجعل حركته سباحة وطيرانا.

ومن لطيف ذلك ما كان كقول أبي دلامة يصف بغلته (?): [من الوافر]

أرى الشهباء تعجبن إذ غدونا … برجليها، وتخبز باليمين

شبّه حركة رجليها حين لم تثبتهما على موضع تعتمد بهما عليه وهوتا ذاهبتين نحو يديها، بحركة يدي العاجن، فإنه لا يثبت اليد في موضع، بل يزلّها إلى قدّام، وتزلّ من عند نفسها لرخاوة العجين- وشبّه حركة يديها بحركة يد الخابز، من حيث كان الخابز يثني يده نحو بطنه، ويحدث فيها ضربا من التقويس، كما تجد في يد الدابّة إذا اضطربت في سيرها، ولم تقف على ضبط يديها، ولن ترمي بها إلى قدّام، ولن تشدّ اعتمادها، حتى تثبت في الموضع الذي تقع عليه فلا تزول عنه ولا تنثني وأعود إلى المقصود.

فإذا كان لا تشبيه حتى يكون معك شيئان، وكان معنى الاستعارة أن تعير المشبّه لفظ المشبّه به، ولم يكن معنا في «صاغ الربيع» أو «حاك الربيع» إلا شيء واحد، وهو الصّوغ أو الحوك، كان تقدير الاستعارة فيه محالا جاريا مجرى أن تشبّه الشيء بنفسه، وتجعل اسمه عاريّة فيه، وذلك بيّن الفساد.

فإن قلت: أليس الكلام على الجملة معقودا على تشبيه الربيع بالقادر، في تعلّق وجود الصوغ والنسج به؟ فكيف لم يجز دخول «كأنّ» في الكلام من هذه الجهة؟

فإن هذا التشبيه ليس هو التشبيه الذي يعقد في الكلام ويفاد بكأن والكاف ونحوهما، وإنما هو عبارة عن الجهة التي راعاها المتكلم حين أعطى الربيع حكم القادر في إسناد الفعل إليه. وزانه وزان قولنا: إنهم يشبّهون «ما» بليس، فيرفعون بها

طور بواسطة نورين ميديا © 2015