ومعلوم أن الكلام لا يكون قويا إلا إذا كان موجزا بطبعه. إن البلاغيين العرب ليعدون هذا الإيجاز المقياس الحق لبلاغة الكلام.
أحب، في هذا المضمار أن أروي حكاية وقعت لأصحاب الكندي، تدل دلالة قاطعة على أن القرآن وهو باللغة العربية مولع بالإيجاز الذي أعطاه هذه القوة التي لا تضاها و رفع بلاغته إلى درجة استحال إدراكها.
حكى النقاس أن أصحاب الكندي قالوا له: أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن، فقال: نعم! عمل مثل بعضه فاحتجب أياما كثيرة ثم خرج فقال: والله ما أقدرو لا يطيق هذا أحد، إني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة فنظرت فإذا هو نطق بالوفاء و نهي عن النكت وحلل تحليلا عاما ثم استثنى استثناء بعد استثناء ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين، و لا يقدر أحد أن يأتي بهذا إلا في إجلال.
يقصد الفيلسوف الكندي بالسطرين من سورة المائدة الآية الأولى منها (1) وهي قوله تعالى: {يأيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود أحلت لكن بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد و أنتم حرم إن الله يحكم ما يريد}.
كيف نفهم حكم الكندي على إيجاز هذه الآية: قال:
ماذا هو (يقصد الحق سبحانه وتعالى) نطق بالوفاء و نهي عن النكت:
و إليه الإشارة بقول الله تعالى: {يأيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود}. ثم قال الكندي: حلل تحليلا عاما.
و إليه الإشارة بقوله: {احلت لكم بهيمة الأنعام}.
ثم قال فيلسوفنا: ثم استثنى استثناء بعد استثناء.
و إليه الإشارة بقول الله تعالى: {إلا ما يتللى عليكم غير محلي الصيد و أنتم حرم} ثم قال الكندي أخيرا: ثم أخبر عن قدرته وحكمته.
و إليه الإشارة بقوله تعالى: {إن الله يحكم ما يريد}.
قد توجز اللغة العربية إيجازا كبيرا و لكنها لا بد أن يكون في هذا الإيجاز البليغ ما يشير بإشارة خفيفة و لبيبة إلى ما لم يذكر وهذا في الأدب العربي كثير جدا (شعره و نثره) و في القرآن و الحديث أكثر.
وأعتقد أنه يكفي أن نمثل لهذا بمثال أو مثالين ليتضح الأمر جليا إن شاء الله، يقول الله تبارك و تعالى: {قد كان لكم ءاية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة ترونهم مثليهم رأي العين و الله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار
(13)} (آل عمران).
وبما أن مراد الله لا يكتمل إلا بالقراءات المتواترة كلها و لا سيما ما يتعلق بالفرش منها فإن معنى الآية باعتبار القراءتين " ترونهم " التي يقرأ بها الإمام نافع و " يرونهم " التي يقرأ بها الآخرون معنى الكلام سيكون: قد كان يا معشر اليهود آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ببدر و أخرى كافرة وهو مشركون ترونهم أنتم اليهود المسلمين مثلي ما أنتم عليه من العدد و يرونهم (أي المسلمون يرون أنفسهم مثلي ما أنتم عليه).
من شأن هذا الإيجاز الذي فهم معناه الفئتان أن يحط من عزائم المشركين و يقوي إرادة المومنين.
ونلاحظ هنا أن الفئة المذكورة أولا لم توصف بلفظ في حين أن الفئة الثانية متبوعة بوصفها.
ثم نلاحظ ثانيا أنه إذا كان الحذف مس الشطر الأول من المقطع و لم يمس شطره الثاني في أمر وصف الفئتين بملزوم الجهاد وهو الإيمان المسكوت عنه بالنسبة للفئة الأولى فإنه ذكر ملزوم الدفاع عن الضلال وهو الكفر بالنسبة للفئة الثانية.
لقد عكس الأمر ليقع التوازن بين شطري المقطع، فإثبت في الشطر الأول المحذوف منه الملزوم لازم الإيمان و هو القتال في سبيل الله وحذف من الشطر الثاني لازم الكفر وهو القتال في سبيل الشيطان ذاكرا فقط ملزومه.
(1) هي الآية الأولى في العدد الكوفي الذي لا يعد قوله تعالى {ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} (الآية 1) أما علماء العد الآخرون هم علماء العد المدني الأول والثاني، ومكة وبصرة والشامي بفرعيها الدمشقي والمعي فآيتان.
*مقتطعة من مقالة بعنوان اللغة العربية خصائصها وتطورهاعلى ضوء آيات رب العالمين
عن مجلة التاريخ العربي العدد 4
ـ[زهرة متفائلة]ــــــــ[07 - 10 - 2010, 11:42 م]ـ
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ... أما بعد:
الأستاذ الفاضل: نبيل الجلبي
جزاك الله خيرا، موضوع قيم، جعله الله في موازين حسناتكم يوم تلقونه، وكتب الله لكم الأجر والمثوبة / اللهم آمين.
والله الموفق