ويشير التقرير إلى أن العلاقة ما بين الثقافة والسلطة في العالم العربي شديدة الالتباس، وهناك نوع من الإصرار من جانب المثقفين الذين يظهرون داخل الخطاب الصحفي للتأكيد على فكرة الاستقلال عن السلطة السياسية، حتى لو كانوا رسمياً جزءاً منها، إذ نجدهم يفصلون باستمرار بين فعلهم الثقافي ووظائفهم لدى السلطة. ويشير إلى أن تجذر الهزيمة في الواقع العربي دفع المثقف إلى اتخاذ واحد من ثلاثة طرق: الالتحاق بالسلطة، أو الهرب إلى الغرب أو البقاء هنا والحفاظ على الحد الأدنى من قيمه وارتباطه بناسه.
ملف الإبداع توزّع على ثلاثة محاور هي الإبداع الأدبي والسينمائي والمسرحي. في رصد المشهد الأدبي أكد التقرير أن الرواية لم تصبح ديوان العرب على حساب الشعر الذي كان حاضراً بشدة مثل الرواية وإن تمكنت الأخيرة من تخطيه كمياً، كونها قادرة على استيعاب الأزمات التي تشهدها المجتمعات العربية ومواجهة الأسئلة المطروحة بإلحاح، مشيراً إلى أن الترجمات الروائية ساعدت على جعل الرواية العربية نفسها على محك الرواية العالمية. في المقابل يطرح التقرير أزمة القارئ الشعري التي كانت هي الأبرز وتشهد عليها أرقام المبيعات الشعرية، كما هو حال دواوين شعراء محدثين بارزين، وقد يكون لجوء الكثيرين من الشعراء إلى حفلات التوقيع حلاً لهذه المشكلة. ويلفت التقرير إلى غياب روائيَين كبيرَين خلال العام 2008 هما اللبناني سهيل إدريس والعراقي فؤاد التكرلي، في حين شهد العام نفسه صدور خمس روايات عربية تدور حول عالم السجون. ولحظ التقرير بقاء العلاقة بين الشرق والغرب موضوعاً أثيراً لدى الأدب العربي المعاصر، خصوصاً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وكان لافتاً بحسب التقرير مهرجان "سوق عكاظ" السعودي في دورته الثانية التي شهدت تطوراً يمكن أن يدل على نهوض مرحلة مهمة بالنسبة للشعر العربي قد تسهم في إعادته إلى واجهة المشهد الأدبي عربياً. أما ملف الإبداع السينمائي فقد ركز على النمو المتفاوت لهذا الفن في مجتمعاتنا العربية التي يلعب فيها أفراد متقدمون إن وضعوا في أماكن مناسبة أدواراً تأسيسية في تطور الفن وغير الفن، تفوق في أهميتها ما قد يلعبه تاريخ هذه المؤسّسات بأكمله. واعتبر التقرير أنه بقدر ما يكون بلد عربي ما خالياً من الإنتاج، يزداد اهتمامه بالمهرجانات وتمويله لها من دون اهتمام جدي بتمويل حركة إنتاجية أو تدعيم ما يريد المبدعون تحقيقه. ويشير إلى أن المهرجانات الفنية في دبي وأبو ظبي وغيرها تبدو الأكثر قدرة على استقطاب الجديد والجيد السينمائيين. ويشير إلى أنه ثمة نوع من العودة إلى اجتماعية السينما في مناخ السينما المصرية بعد أن فقدت جزءاً كبيراً منها خلال العقود الفائتة، وأشار إلى أن العام 2008 قدّم جديداً على المستوى السينمائي المصري، كما شهد العام 2008 في مصر ظهور ما لا يقل عن 13 مخرجاً سينمائياً جديداً تولوا إخراج أفلامهم الأولى. وفي المجال نفسه فقد أنتج المغرب 15 فيلماً روائياً طويلاً وعشرات الأفلام القصيرة، وأصبحت السينما الفلسطينية حاضرة في مهرجانات عالمية، فيما تراجع عدد الأفلام الطويلة المنتجة في لبنان، وتمكّنت مؤسّسة السينما السورية في مجال التثقيف السينمائي من إصدار ما لا يقل عن 25 كتاباً سينمائياً خلال العام 2008. أما في السعودية فبدأت السينما حضورها الراهن على شكل صالات عرض في العام 2008 في حين أصبحت تتوفر لدى كل بيت سعودي مكتبة سينمائية كاملة.
وفي ملف المسرح العربي يؤكد التقرير أن هذا المسرح الذي تبنته الدول وأصبح جزءاً من المؤسّسة الرسمية لم يبتكر لنفسه آليات تطور تسمح له بالتعامل مع المستجدات السياسية والاجتماعية. ويعتبر أن ثمة إشكالية أساسية لدى المؤسّسات المسرحية تتجلى في اهتراء البنى الثقافية التي تشرّع لوجود المسرح في المجتمع.
¥