واختتمت بشاير حديثها، متمنية اهتمام المؤتمر بدور المرأة في المنجز الثقافي بكل شفافية ووضوح، مؤكدة على أهمية رسم الخطوط العريضة لآليات إشراك المثقفة في المشهد الثقافي، وذلك بلوائح تعزز دور المثقفة في المؤسسة الثقافية، وترسم لها مسارا واضحا وصريحا فيما يتعلق بمشاركتها العضوية في الأندية الأدبية، بالشكل الحقيقي الذي يوازي عطاء المثقفة ومشاركتها الفاعلة أدبيا وثقافيا.
لا تحزن (ثقافة الاستشفاء)
د. عبدالله محمد الغذامي
-1 - في منتصف عام 2005 وجدت نفسي أنطلق نحو مكتبة العبيكان لأشتري كتاب (لا تحزن) للشيخ عايض القرني، هناك وجدت الطبعة التاسعة عشرة من الكتاب، وقد كتب الناشر على الغلاف أنه باع أكثر من مليون نسخة، ولم يفت وقت حتى رأيت الناشر للكتاب يضع إعلاناً كبيراً في جريدة الرياض (2/ 5/2006) يهنئ فيه الشيخ على حصوله على جائزة (المؤلف العربي الأول)، ويشير إلى أن كتاب لا تحزن قد حقق مبيعات وصلت إلى مليون ونصف نسخة، ثم حصل أن تقابلت مع الناشر في معرض أبو ظبي للكتاب بعد شهور، وسألته عن حال الكتاب فقال لي إنه تجاوز ثلاثة ملايين نسخة وأن مبيعاته في مصر واليمن وبلدان المغرب العربي لا تقل عنها في المملكة والخليج.
كل هذا وقد كنت من قبل قد أثرت سؤالاً عن هذا الكتاب طرحته على طلبتي في الجامعة، وقد جاءتني الإجابات معبرة جداً، فمن مجموعة طلاب عددهم اثنان وخمسون طالباً وجدت أن خمسة وثلاثين منهم قد سمعوا عن الكتاب أما من سمع وقرأ فكانوا ثلاثة وعشرين، على أن القراءة تراوحت بين كامل الكتاب وبعضه أو تصفحه، وتبعاً لذلك استعنت بأستاذتين فاضلتين كانتا تدرسان عندي في مرحلة الدكتوراه، وهما أمينة المسهر وأمل الخياط التميمي، ولقد تولتا مشكورتين رصد وضع الطالبات مع الكتاب، ولقد اكتشفت أن أمل قد سبق لها أن طرحت سؤالاً على طالبات كلية البنات بالدمام ووجدت أن سبعين طالبة قد سمعن بالكتاب، ومن بينهن خمسون قرأن الكتاب ما بين كامل أو أجزاء منه، والرقم مستخلص من فصل عدة طالباته ثمانون طالبة، أما أمينة فقد وجدت أن ثماني وأربعين بنتاً قد سمعن بالكتاب، ولكن اللواتي قرأن كن ست عشرة بنتاً فقط، وذلك من فصل عداده ست وستون، وكذا كانت النتيجة مع ابنتي غادة التي وجهت سؤالها إلى فصل في كلية اللغات في جامعة الإمام وكانت النتيجة أن خمساً وثلاثين بنتاً من بين ثمانٍ وثلاثين سمعن بالكتاب، واللواتي قرأن لم يزدن عن أربع عشرة طالبة.
هذه إحصاءات لا شك أنها ستكون كبيرة جداً إذا قارناها بما يمكن أن نجده عن الطلاب والطالبات من إجابات فيما لو سألناهم عن مؤلفين آخرين، وأعطي مثالاً واحداً يمكن أن يدل على غيره، وهو أنني في العام الفائت وبعد أن دخلت على طلبتي في مادة (الأسلوبية) في الفصل الأول من العام 2008 وجدت طالباً يلحق بي بعد المحاضرة ليسألني عن اسمي، وقد لاحظت أن الطالب لا يعرفني ولا يعرف شيئاً عني، هذا بعد مرور خمس محاضرات لي معه ومرور اثنتين وثلاثين سنة في التدريس الجامعي، وسنتي تلك كانت هي السنة الأخيرة لي قبل التقاعد عند سن الخامسة والستين، والطالب كان في سنته الجامعية الأخيرة، أي أنه قد أمضى قرابة أربع سنوات في الجامعة وفي قسم اللغة العربية تحديداً، وهذا يعطي مؤشراً عن حال جيل الشباب الذين تحدث عندهم تحولات نوعية بالغة فيما يهمهم وما لا يهمهم.
تلك تحولات ثقافية لا بد من التنبه لها، ولقد مرت علي اثنتان وثلاثون سنة في التعليم الجامعي عندنا رأيت فيها التغيرات تجري أمام عيني وفي قاعة الفصل في جدة والرياض، وتشكل هذه عندي قراءة للمجتمع وتحولاته على ثلاثة عقود، ربما وقفت عندها في مقالات لاحقة - إن شاء الله - ولكنني هنا أحصر القول في كتاب (لا تحزن) واستدرك القول كيلا يلتبس الأمر وأنبه إلى أن ما جرى من الطالب عن عدم معرفته باسمي لا يقوم عندي كدليل على جهل هذا الطالب، وإنما هو دليل كاشف عن تغيرات كبرى في الاهتمام ونوعية المتابعة، فهذا الطالب الذي لا يعرفني لا بد أنه وبشكل أكيد يعرف أسماء وشخصيات أخرى ممن تدخل ضمن دوائر اهتمامه، وهي ليست علامة جهل ولا علامة عقوق ولكنها - فحسب - علامة تساعد الباحث على التعرف على حقيقة المتغيرات وعلى الواقع الاجتماعي والثقافي للجيل الشاب وما يمس توجهاته.
¥