وأتعجب ممن يسمع أو يقرأ أو يحفظ قوله -تعالى-: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ. فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (آل عمران:23 - 25) ثم هو يصر على اعتبار مسألة تحكيم كتاب الله -تعالى- بين الناس مسألةً فرعيةً ليست من أصل الدين ولا علاقة لها بالتوحيد! بل مخالفتها من جنس الذنوب التي تستوجب بعض العذاب!!

وهذا بعينه قول اليهود كما هو ظاهر لِمَن تدبر الآيات، وقد بيَّن الله -تعالى- أن هذا من افترائهم على الله؛ الذي غَرَّهم وأضلَّهم عن دين الحق الذي بعثت به الرسل.

بل ويزداد عتوًّا وضلالاً حين يتهم مَن يخالفه بأنه مِن الخوارج المارقين المستحقين أنواع العقوبات في الدنيا والآخرة! ومهما أتيتَه بدليل من الكتاب والسنة أَوَّله بالتأويلات الفاسدة زاعمًا أنها فهم الصحابة! وهل كان قَطُّ في زمن الصحابة أو السلف مَن يُعرِض عن شرع الله ويُخالِف في أمر مرجعيته نصوصَ الشرع كتابًا أو سنةً للفصل بين الناس والحكمِ بينهم فيما يختلفون فيه مِن أمور الاعتقاد أو العمل أو السلوك؛ وليس فقط في العقوبات والحدود؟! وهو يسمع بالليل والنهار التصريح بأن المرجعية العليا هي لما اخترعوه من آراء وجهالات ما أنزل الله بها من سلطان؛ بل في الحقيقة لما سطره الوثنيون في أوروبا من دساتير وقوانين أو ما وافقت عليه الأغلبيةُ!! وقد قال الله -تعالى-: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) (البقرة:213).

فهل أوضح من هذا بيانًا في أن تحكيم الكتاب في كل مواطن النزاع هو الحكمة من إرسال الرسل وإنزال الكتاب عليهم؟! وإذا أتيتَ أولئك بقول عالم قالوا: قد رجع عن فتواه! أفكان هؤلاء العلماء الذين يجلهم الجميع خوارجَ في يوم من الأيام ثم رجعوا عن فكر الخوارج؟!

ولماذا لم يبينوا للناس أنهم كانوا خوارجَ ثم تابوا؟! كما قال مَن قال مِن السلف أنه كان شَغَفَه رأيُ الخوارج حتى سمع الصحابةَ -رضي الله عنهم- يرددون أحاديث الشفاعة؛ فعن يَزيدَ الفقيرِ قال: كنتُ قد شَغَفَنِي رأيٌ مِن رأي الخوارج؛ فخرجنا في عصابة ذَوي عَدَدٍ نريد أن نحُجَّ ثم نَخرُجَ على الناس. قال: فمررنا على المدينة فإذا جابرُ بنُ عبد الله يُحَدِّثُ القومَ جالسٌ إلى سارية عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: فإذا هو قد ذَكَرَ الجَهَنَّمِيِّينَ. قال: فقلتُ له: يا صاحبَ رسول الله، ما هذا الذي تُحَدِّثُون واللهُ يقول: (إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) و (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا) فما هذا الذي تقولون؟! قال: فقال: أَتقرأُ القرآنَ؟ قلت: نعم. قال: فهل سمعتَ بمَقَام محمدٍ -عليه السلام- يعني الذي يبعثه الله فيه؟ قلت: نعم. قال: فإنه مَقَامُ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- المحمودُ الذي يُخرِج اللهُ به مَن يُخرِج. قال: ثم نَعَتَ وَضْعَ الصراط ومَرَّ الناس عليه. قال: وأخاف أن لا أكون أحفظ ذاك. قال: غيرَ أنه قد زعم أن قومًا يَخرُجون مِن النار بعدَ أن يكونوا فيها. قال: يعني فيَخرُجون كأنهم عِيدَانُ السَّمَاسِمِ. قال: فيَدخُلون نَهَرًا مِن أنهار الجنة؛ فيَغتسِلون فيه؛ فيَخرُجون كأنهم القَرَاطِيسُ. فَرَجَعْنَا قلنا: وَيْحَكُمْ! أَتَرَوْنَ الشيخَ يَكذِب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟! فرجعنا، فلا والله ما خرج منا غيرُ رجل واحد. (رواه مسلم).

والحقيقة أن هؤلاء لو صدقوا مع الله وتدبروا كتابه لَمَا صدرت منهم مثلُ هذه الافتراءات على شرع الله -تعالى- وعلى أهل العلم.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015