وقد قوى الحديثَ شيخُ الإسلام ابنُ تيمية فقال في الفتاوى الكبرى (3/ 277 - 278): ((وروى ابن ماجه، والجوزجاني من حديث عثمان بن صالح قال سمعتُ الليث بن سعيد يقول قال مشرح بن هاعان قال عقبة بن عامر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ألا أخبركم بالتيس المستعار"، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: هو المحلل لعن الله المحلل والمحلل له، وفي لفظ الجوزجاني: الحال، بدل: المحلل، رواه الجوزجاني: عن عثمان، وقال: كانوا ينكرون على عثمان هذا الحديث إنكارا شديدا، قلت: وإنكار من أنكر هذا الحديث على عثمان غير جيد، إنما هو لتوهم انفراده به عن الليث وظنهم أنه لعله أخطأ فيه حيث لم يبلغهم عن غيره من أصحاب الليث كما قد يتوهم بعض من يكتب الحديث أن الحديث إذا انفرد به عن الرجل من ليس بالمشهور من أصحابه كان ذلك شذوذا فيه وعلة قادحة، وهذا لا يتوجه هاهنا لوجهين: أحدهما: إنه قد تابعه عليه أبو صالح كاتب الليث عنه رويناه من حديث أبي بكر القطيعي أحمد بن جعفر بن حمدان قال حدثنا جعفر بن محمد الفريابي حدثني العباس المعروف بابن فريق وحدثنا أبو صالح حدثني الليث به فذكره ورواه أيضا الدار قطني في سننه وحدثنا أبو بكر الشافعي حدثنا إبراهيم بن الهيثم أخبرنا أبو صالح فذكره، الثاني: أنّ عثمان بن صالح هذا المصري ثقة، روى عنه البخاري في صحيحه وروى عنه ابن معين وأبو حاتم الرازي وقال: شيخ صالح، سليم الناحية، قيل له: كان يلقن، قال: لا، ومن كان بهذه المثابة كان ما ينفرد به حجة، وإنما الشاذ ما خالف به الثقات لا ما انفرد به عنهم فكيف إذا تابعه مثل أبي صالح وهو كاتب الليث وأكثر الناس حديثا عنه وهو ثقة أيضا، وإن كان قد وقع في بعض حديثه غلط، ومشرح بن هاعان قال فيه ابن معين: ثقة وقال الإمام أحمد هو معروف، فثبت أن هذا الحديث جيد وإسناده حسن)).

كذا قال ابن تيمية -رحمه الله-، ويظهر أنه لم يطلع على كلام يحيى بن عبدالله بن بكير، وكلام أبي زرعة المذكور في العلل، وأنَّ من أعلَّ الحديث لم يعله لمجرد التفرد، بل من أجل المخالفة، وعدم سماع الليث من مشرح كما تقدم بيان ذلك.

وقال ابن حجر في التلخيص الحبير (3/ 170): ((ورواه بن ماجة والحاكم من حديث الليث عن مشرح بن هاعان عن عقبة بن عامر وأعله أبو زرعة وأبو حاتم بأن الصواب رواية الليث عن سليمان بن عبدالرحمن مرسلا، وحكى الترمذي عن البخاري أنه استنكره، وقال أبو حاتم ذكرته ليحيى بن بكير فأنكره إنكارا شديدا، وقال: إنما حدثنا به الليث عن سليمان ولم يسمع الليث من مشرح شيئا)).

كذا وقع: ((وقال أبو حاتم ذكرته ليحيى بن بكير فأنكره إنكارا شديدا))، والمذكور في العلل في هذه المسألة أنّ أبا زرعة هو الذي ذكر الحديث ليحيى بن عبدالله بن بكير، ولم أجد لأبي حاتم كلاماً على الحديث في العلل ولا غيره.

وللحديث شواهد:

حديث أبي هريرة، وهو حديثٌ حسن الإسناد، يأتي في المسألة رقم (1237).

وحديث عبدالله بن مسعود، وله عنه طرق:

الطريق الأوَّل: أخرجه: الترمذي في سننه (3/ 428 رقم 1120) كتاب النكاح، باب ما جاء في المحل والمحلل له، والنسائي في سننه (6/ 149) كتاب الطلاق، باب إحلال المطلقة ثلاثاً وما فيه من التغليظ، وابن أبي شيبة في المصنف (4/ 295)، وأحمد بن حنبل في مسنده (1/ 448،462)، والدارمي في سننه (2/ 81رقم2263) كتاب النكاح، باب في النهي عن التحليل، وأبو يعلى في مسنده (9/ 237رقم5350)، والطبراني في المعجم الكبير (10/ 46 رقم 9878)، والبيهقي في السنن الكبرى (7/ 208) وغيرهم من طريق أبي قيس عبدالرحمن بن ثروان الأودي، عن هزيل بن شرحبيل عن عبدالله بن مسعود قال: ((لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحل والمحلل له)).

قال الترمذي: ((هذا حديث حسن صحيح وأبو قيس الأودي اسمه عبدالرحمن بن ثروان))، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير (3/ 170): ((وصححه بن القطان وابن دقيق العيد على شرط البخاري))، وقال ابن القيم في إغاثة اللهفان (1/ 269): ((إسناده صحيح))، وهزيل ثقة مخضرم، وعبدالرحمن بن ثروان صدوق جيد الحديث –التقريب (ص572 رقم7283)، والتهذيب (6/ 152 - 153) -، فهذا الطريق حسن الإسناد.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015