وهؤلاء إنما هم أمثلة لغيرهم كثير، حفاظ كبار، يطلق عليهم أبو حاتم مصطلحه: "صدوق". والصدوق عنده معناها الصدق. وقد يكون الصدوق عنده ثقة، وقد لا يكون. ومثاله قوله عن فرج بن فضالة (7|85): «صدوق يُكتب حديثه ولا يحتج به. حديثه عن يحيى بن سعيد فيه إنكار. وهو في غيره أحسن حالاً. وروايته عن ثابت لا تصح». وقوله عن عبد الله بن عياش بن عباس (5|126): «ليس بالمتين. صدوقٌ، يكتب حديثه. وهو قريب من ابن لهيعة!». وقوله عن حكيم بن سيف (3|205): «لا بأس به. هو شيخٌ صدوقٌ، يكتب حديثه ولا يحتج به. ليس بالمتين».
وأما من زعم بأن كلمة "صدوق" عند أبي حاتم تعني توثيقاً، فقد غلط وأخطأ. فقد نصّ ابن أبي حاتم في مقدمة كتابه (1|6) بالتفريق بين الصدوق الثبت (فهذا يحتج به)، وبين الصدوق المُغَفّل (لا يحتج به في الأحكام ويستشهد به في فضائل الأعمال). وأعاد ذلك أيضاً في كتابه (1|10).
قولهم «حديث لا أصل له». ويطلق على كل حديث ليس له إسناد في مظان الحديث المعتمدة. قال السيوطي في تدريب الراوي (1|297): «قولهم هذا الحديث ليس له أصل أو لا أصل له. قال ابن تيمية: "معناه ليس له إسناد". وإذا وردت رواية الضعيف بغير إسناد، فلا تقل قال رسول الله ?كذا وما أشبهه من صيغ الجزم بأن رسول الله ? قاله. بل قل رُوي عنه كذا أو بلغنا عنه كذا أو ورد عنه أو جاء عنه أو نقل عنه وما أشبهه من صيغ التمريض».
ومثاله حديث: «النظافة من الإيمان». فهذا حديث لا أصل له. ويدخل في ذلك ما لو نسب أحدهم اليوم افتراء حديثاً مكذوباً إلى رسول الله ?. فهو أيضاً مما لا أصل له لعدم الإسناد، ومن ذلك ما اشتهر عند بعضهم: خير الذقون قبضة تكون. أما إذا جاء الحديث بإسناد، ومداره على راو كذاب، فهو الموضوع. وبعض الأئمة قد يطلق على الحديث الذي لا أصل له: الموضوع أو الضعيف جداً إلا أنه يقصد بذلك أنه لا أصل له في كلام النبوة. وهذا الإطلاق مسامحة منهم في علم المصطلح.
مثاله: ما ذكره ابن أبي حاتم في العلل قال سألت أبا زرعة عن حديث يحيى ابن ميمون عن ابن جريج عن عطاء عن عائشة نحوه ولفظه في صفة الوضوء مرةً مرةً. فقال: هذا الذي افترض الله عليكم ثم توضأ مرتين مرتين. فقال: مَنْ ضعّف ضعف الله له، ثم أعادها الثالثة. فقال هذا وضوءنا معاشر الأنبياء. فقال: «هذا ضعيفٌ واهٍ منكر»، وقال مرة: «لا أصل له».