والبشارة بإسحاق وقعت لسارة وكانت قد غارت من هاجر لما ولدت إسماعيل، وأمر الله إبراهيم أن يذهب بإسماعيل وأمه إلى مكة، ثم لما جاء الضيف وهم الملائكة لإبراهيم بشروها بإسحاق، فكيف يأمره بذبح إسحاق مع بقاء إسماعيل وهي لم تصبر على وجود إسماعيل وحده؟! بل غارت أن يكون له ابن من غيرهما، فكيف تصبر على ذبح ابنها وبقاء ابن ضرتها؟! وكيف يأمر الله إبراهيم بذبح ابنه وأمه مبشرة به وبابن ابنه يعقوب؟!

وأيضا فالذبح إنما كان بمكة وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم قرني الكبش في البيت فقال للحاجب: "إني رأيت قرني الكبش في الكعبة فخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في الكعبة شيء يلهي المصلي"، وإبراهيم وإسماعيل هما اللذان بنيا الكعبة بنص القرآن، وإسحاق كان في الشام.

والمقصود بالأمر بالذبح أن لا يبقى في قلبه محبة لغير الله تعالى، وهذا إذا كان له ابن واحد؛ فإذا صار له ابنان فالمقصود لا يحصل إلا بذبحهما جميعا، وكل من قال إنه إسحاق فإنما أخذه عن اليهود أهل التحريف والتبديل كما أخبر الله تعالى عنهم، وقد بسطنا هذه المسألة في مصنف مفرد).

· وقال في (الرد على المنطقيين ص517):

(ولهذا أمر إبراهيم الخليل بذبح ابنه؛ فإنه كان قد سأل الله أن يهبه إياه ولم يكن له ابن غيره، فإن الذبيح هو إسماعيل على أصح القولين للعلماء، وقول أكثرهم كما دل عليه الكتاب والسنة، فقال الخليل: {رب هب لي من الصالحين} قال الله: {فبشرناه بغلام حليم} والغلام الحليم إسماعيل، وأما إسحاق فقال فيه: {فبشرناه بغلام عليم}.

وإسحاق بشرت به سارة أيضا لما غارت من هاجر، والله ذكر قصته بعد قصة الذبيح، فإنه لما ذكر قصة الذبيح قال بعدها: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصلحين}.

والمقصود هنا أن الله أمر الخليل بذبح ابنه بكره امتحانا له وابتلاء ليخرج من قلبه محبة ما سوى الله ليتم كونه خليلا بذلك فهذا هو الكمال).

· قال العلامة ابن القيم في (زاد المعاد 1/ 71):

(وإسماعيل هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وأما القول بأنه إسحاق فباطل بأكثر من عشرين وجهاً، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: هذا القول إنما هو متلقى عن أهل الكتاب مع أنه باطل بنص كتابهم فإن فيه: إن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه بكره، وفي لفظ: وحيده، ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاده، والذي غر أصحاب هذا القول أن في التوراة التي بأيديهم اذبح ابنك إسحاق. قال: وهذه الزيادة من تحريفهم وكذبهم، لأنها تناقض قوله: اذبح بكرك ووحيدك، ولكن اليهود حسدت بني إسماعيل على هذا الشرف، وأحبوا أن يكون لهم، وأن يسوقوه إليهم ويحتازوه لأنفسهم دون العرب، ويأبى الله إلا أن يجعل فضله لأهله.

وكيف يسوغ أن يقال: إن الذبيح إسحاق والله تعالى قد بشر أم إسحاق به وبابنه يعقوب؛ فقال تعالى عن الملائكة إنهم قالوا لإبراهيم لما أتوه بالبشرى: {لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} فمحال أن يبشرها بأنه يكون لها ولد ثم يأمر بذبحه! ولا ريب أن يعقوب عليه السلام داخل في البشارة، فتناول البشارة لإسحاق ويعقوب في اللفظ واحد، وهذا ظاهر الكلام وسياقه.

فإن قيل: لو كان الأمر كما ذكرتموه لكان يعقوب مجرورا عطفا على إسحاق، فكانت القراءة (ومن وراء إسحاق يعقوب) أي: ويعقوب من وراء إسحاق.

قيل: لا يمنع الرفع أن يكون يعقوب مبشرا به، لأن البشارة قول مخصوص وهي أول خبر سار صادق، وقوله تعالى: {ومن وراء إسحاق يعقوب} جملة متضمنة لهذه القيود، فتكون بشارة، بل حقيقة البشارة هي الجملة الخبرية، ولما كانت البشارة قولاً؛ كان موضع هذه الجملة نصباً على الحكاية بالقول، كأن المعنى: وقلنا لها من وراء إسحاق يعقوب، والقائل إذا قال: بشرت فلانا بقدوم أخيه وثقله في أثره؛ لم يعقل منه إلا بشارته بالأمرين جميعاً. هذا مما لا يستريب ذو فهم فيه البتة.

ثم يضعف الجر أمر آخر؛ وهو ضعف قولك: مررت بزيد ومن بعده عمرو، ولأن العاطف يقوم مقام حرف الجر، فلا يفصل بينه وبين المجرور كما لا يفصل بين حرف الجار والمجرور.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015