قال البزار: (وحديث خالد الحذاء الذي رواه خارجة؛ حديث شداد بن أوس؛ لا نعلمه يروى عن شداد إلا من هذا الوجه، ولا رواه عن خالد إلا خارجة، ولم أسمع أن أحدا حدث به عن شبابة إلا إسماعيل بن أبي الحارث، وهو رجل ثقة مأمون ولم يتابع عليه، وخارجة بن مصعب فليس بالحافظ).
· وقد روي هذا الحديث من هذا الوجه من طريقين مرسلتين:
الأولى: رواية أبي إدريس الخولاني. والثانية: رواية شهر بن حوشب.
أخرج رواية أبو إدريس الخولاني: (ابن السني في عمل اليوم والليلة رقم 354).
بلفظ: (بينما النبي صلى الله عليه وسلم يمشي هو وأصحابه إذا انقطع شسعه؛ فقال: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، قالوا: أو مصيبة هذه؟ قال: "نعم، كل شيء ساء المؤمن فهو مصيبة".
وأخرج رواية شهر بن حوشب: (ابن أبي الدنيا في كتاب العزاء؛ كما عند السيوطي في الدر).
بلفظ: (من انقطع شسعه فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون؛ فإنها مصيبة).
· الحكم على هاتين الروايتين:
أما رواية أبي سعيد الخولاني؛ فهي رواية مرسلة سندها صحيح؛ رجالها رجال الصحيح، وقد أشار إلى ذلك ابن حجر أيضاً.
أما رواية شهر بن حوشب؛ فلم أقف عليها.
وعليه ومن خلال ما سبق فإنه في الجملة؛ الحديث من طريقه الموصولة _ على اختلاف رواتها _ لا يصح منها شيء ولا يثبت.
كما لا يتقوى الحديث أيضاً من هذه الطرق الموصولة بمجموعها، فضعفها الشديد المتحقق لا يجعلها تتقوى مجتمعة.
ولا يصح فيه إلا الرواية المرسلة عن أبي إدريس الخولاني. و (أبو إدريس الخولاني) له رؤية لكن روايته عنه مرسلة. فمرسله رضي الله عنه قوي يشعر بقوة القصة مع صحتها إليه.
· أما الطريق المرسلة: فهي تروى من وجه آخر عن ثلاثة من التابعين:
- الرواية الأولى: (رواية عمران القصير):
أخرجها: (أبو داود في المراسيل رقم 402).
بلفظ: (طفئ مصباح النبي صلى الله عليه وسلم فاسترجع، فقالت عائشة: إنما هذا مصباح. فقال: "كل ما ساء المؤمن فهو مصيبة").
· الحكم على هذه الرواية:
هذه الرواية سندها حسن.
من أجل (يحيى بن سليم)؛ فهو ثقة؛ قد ضُعِّف ولا يؤثر فيه إن شاء الله.
- الرواية الثانية: (رواية عكرمة):
أخرجها: (عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في كتاب العزاء؛ كما عند السيوطي في الدر) ولم أقف عليها.
بلفظ: (طفئ سراج النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، فقيل: يا رسول الله أمصيبة هي؟ قال: "نعم، وكل ما يؤذي المؤمن فهو مصيبة له وأجر").
- الرواية الثالثة: (رواية عبد العزيز بن أبي رواد):
أخرجها: (ابن أبي الدنيا في كتاب العزاء، كما عند السيوطي في الدر) ولم أقف عليها.
بلفظ: (بلغني أن المصباح طفئ؛ فاسترجع النبي صلى الله عليه وسلم؛ وقال: "كل ما ساءك مصيبة").
· أما الطريق الموقوفة: فهي تروى عن اثنين من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم:
- الرواية الأولى: (رواية عمر بن الخطاب رضي الله عنه):
وهي تروى عنه من طريقين:
الطريق الأول: طريق عبد الله بن خليفة:
أخرجها: (ابن أبي شيبة رقم 27063 رشد)، و (هناد في الزهد رقم 423)، و (عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد رقم 216) ومن طريقه (ابن أبي عاصم في الزهد ص216)، و (البيهقي في الشعب رقم 9694)، و (عبد بن حميد وابن سعد وابن المنذر كما عند السيوطي في الدر).
ولفظ ابن أبي شيبة وعبد الله وابن أبي عاصم: (أنه انقطع شسعه فاسترجع وقال: كل ما ساءك مصيبة)، ولفظ هناد: (كنت مع عمر في جنازة؛ فانقطع شسعه فاسترجع؛ ثم قال: كل ما ساءك مصيبة)، ولفظ البيهقي: (بينا عمر يمشي إذ انقطع شسع نعله فاسترجع؛ فقال له _ يعني أصحابه _: مالك يا أمير المؤمنين؟ قال: انقطع شسع نعلي فساءني؛ وكل ما ساءك مصيبة).
· الحكم على هذا الطريق:
الأثر من هذه الطريق سنده جيد صالح، ورجاله موثقون؛ وإن عنعنه أبي إسحاق إلا أن الطريق الآخر الآتي يقويه.
الطريق الثاني: طريق سعيد بن المسيب:
أخرجها: (ابن أبي شيبة رقم 27064 رشد).
بلفظ: (انقطع قبال عمر فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقالوا: يا أمير المؤمنين؛ أفي قبال نعلك؟ قال: نعم، كل شيء أصاب المؤمن يكرهه فهو مصيبة).
· الحكم على هذه الطريق:
الأثر من هذه الطريق سنده جيد صالح أيضاً، ورجاله موثقون، لكن سعيداً روايته عن عمر مرسلة.
وعليه فالأثر والقصة عن عمر رضي الله عنه بمجموع هذين الطريقين ترتقي إلى درجة (الحسن لغيره).
- الرواية الثانية: (رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه):
وهي تروى عنه من طريق دينار التمار، عن عون بن عبد الله به:
أخرجها: (ابن أبي شيبة رقم 27062 رشد)، و (ابن أبي الدنيا كما عند السيوطي في الدر).
بلفظ: (كان عبد الله يمشي مع ناس من أصحابه ذات يوم؛ فانقطع شسع نعله فاسترجع؛ فقال له بعض القوم: يا أبا عبد الرحمن؛ تسترجع على سير؟ قال: ما بي إلا أن تكون السيور كثيرة، ولكنها مصيبة).
· الحكم على هذه الطريق:
الأثر من هذه الطريق إسناده جيد صالح، ورجاله موثقون.
قلت: وقد أتى هذا الكلام من قول عون بن عبد الله؛ وما أظنه أخذه إلا عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
أخرجه: (ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا كما عند السيوطي في الدر) ولم أقف عليهما.
بلفظ: (من انقطع شسعه فليقل إنا لله وإنا إليه راجعون فإنها مصيبة).
· فنتج مما سبق ما يلي:
1) أن الطرق الموصولة كلها ضعيفة لا تصح ولا تثبت. فقط هي الطريق المرسلة للحديث الموصول هي الصحيحة الإسناد إلى مرسلها.
2) أن الطرق المرسلة الأخرى والتي أتت من وجه آخر للقصة عنه صلى الله عليه وسلم؛ فلم أقف إلا على سند رواية (عمران القصير) وسندها حسن.
قلت: ويمكن أن يكون اختلاف المخرج للقصة لتعدد الوقوع.
3) أن الطرق الموقوفة سواءٌ عن عمر بن الخطاب أو عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما طرقٌ حسنة ثابتة.
وعليه فمن خلال الطرق المرسلة والموقوفة الثابتة يأتي يقين أن القصة لها أصل، وهي بمجموعها كلها تعطينا حكماً واحداً لكل من أصابه أمراً يسوئه ويكرهه = أنها مصيبة عليه الاسترجاع لها، والصبر.
قلت: ولهذا المعنى شواهد صحيحة.
والله تعالى أعلى وأعلم
¥