(مسألة: سأل سائل في كلام الصوفية في القرآن كالجنيد وغيره وكانالسائل عن هذا ينكر ما سمع من ذلك وكان يجالس شيخا من المفتين فجرى ذلك في مجلسهفابتدأ الشيخ وقال كالمستحسن لكلام الصوفية: هم لا يريدون به تفسير القرآن وإنماهي معاني يجدونها عند التلاوة.

وقال أيضا يقولون: {يا أيها الذين آمنوا قاتلواالذين يلونكم من الكفار} قالوا: هي النفس، وكان الشيخ المفتي يشرح ذلك ويقول: أمرنا بقتال من يلينا لأنهم أقرب شرا إلينا وأقرب شرا إلى الإنسان نفسه.

وقالالشيخ أيضا: يقولون: {إنا أرسلنا نوحا إلى قومه} يقول نوح العقل والغرض أنهم يلقيالله عندهم في كلامه ما ينتفعون به وهذا قد صدر عن أكابرهم والجم الغفير وأنتم بذلكأعلم والسائل لهذا ليس بجاهل وليس غرضه إلا الاعتضاد بما يسمع من الشيخ تقي الدينرضي الله عنه واحد لا يجهل أن قوله تعالى: {قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} ليسالمراد به النفس وإن المراد ظاهر ومن قال غير ذاك فهو مخطئ.

فأجاب رضي الله عنه:

وجدت عن الإمام أبي الحسن الواحدي المفسر رحمه الله أنه قال: صنف أبو عبدالرحمن السلمي حقائق التفسير فإن كان قد اعتقد أن ذلك تفسير فقد كفر.

وأنا أقول: الظن بمن يوثق به منهم أنه إذا قال شيئا من أمثال ذلك أنه لم يذكر تفسيرا ولا ذهببه مذهب الشرح للكلمة المذكورة في القرآن العظيم، فإنه لو كان كذلك كانوا قد سلكوامسالك الباطنية.

وإنما ذلك ذكر منهم لنظير ما ورد به القرآن، فإن النظير يذكر بالنظير، فمن ذكر قتال النفس في الآية المذكورة فكأنه قال: أمرنا بقتال النفس ومنيلينا من الكفار, ومع ذلك فيا ليتهم لم يتساهلوا بمثل ذلك لما فيه من الإيهاموالالتباس والله أعلم) أهـ.

2 - رأى الشاطبى:

يقسم الشاطبى الاعتبارات القرآنية الواردة على القلوب الطاهرة وأصحاب البصائر إذا صحت على كمال شروطها على ضربين:

· ما يكون أصل انفجاره من القرآن ويتبعه سائر الموجودات، فإن الاعتبار الصحيح في الجملة هو الذي يخرق من البصيرة في حجب الأكوان من غير توقف، فإن توقف فهو غير صحيح حسبما بينه أهل التحقيق بالسلوك.

· ما يكون انفجاره من الموجودات كليا أو جزئيا ويتبعه الاعتبار في القرآن.

فإن كان الأول فهذا الاعتبار صحيح وهو معتمد على فهم باطن القرآن من غير إشكال، وإن كان الثاني فالتوقف على اعتباره في فهم باطن القرآن لازم وأخذه على إطلاقه ممتنع لأنه بخلاف الأول.

قال في الموافقاتوقد ذكر نماذج من التفسير الإشاري عن سهل التستري 3/ 398:

(ولكن له وجه جار علىالصحة وذلك أنه لم يقل إن هذا هو تفسير الآية ولكن أتى بما هو ند في الاعتبارالشرعي الذي شهد له القرآن من جهتين:

أحداهما: أن الناظر قد يأخذ من معنىالآية معنى من باب الاعتبار فيجريه فيما لم تنزل فيه لأنه يجامعه في القصد أو يقاربه ... ) أهـ.

ثم قال 3/ 403: ( ... وإنما احتيج إلى هذا كله لجلالة من نقلعنهم ذلك [أي التفسير الإشاري] من الفضلاء وربما ألمّ الغزالي بشيء منه فيالإحياء وغيره وهو مزلة قدم لمن لم يعرف مقاصد القوم فإن الناس في أمثال هذهالأشياء بين قائِلَينِ:

منهم: من يصدق به ويأخذه على ظاهره ويعتقد أن ذلك هومراد الله تعالى من كتابه وإذا عارضه ما ينقل في كتب التفسير على خلافة فربما كذببه أو أشكل عليه.

ومنهم: من يكذب به على الإطلاق ويرى أنه تقوّل وبهتان مثل ماتقدم من تفسير الباطنية ومن حذا حذوهم وكلا الطريقين فيه ميل عن الإنصاف). أهـ.

ثم قال 3/ 404 – 406: (فنقول: إن تلك الأنظار الباطنة في الآيات المذكورة إذالم يظهر جريانها على مقتضى الشروط المتقدمة [شروط قبول التفسير] فهي راجعة إلىالاعتبار غير القرآني وهو الوجودي ويصح تنزيله على معاني القرآن لأنه وجودي أيضافهو مشترك من تلك الجهة غير خاص فلا يطالب فيه المعتبر بشاهد موافق إلا ما يطالبهالمربي وهو أمر خاص وعلم منفرد بنفسه لا يختص بهذا الموضع فلذلك يوقف على محله، فكون القلب جارا ذا قربى والجار الجنب هو النفس الطبيعي، إلى سائر ما ذكر [التستري]؛ يصح تنزيله اعتباريا مطلقا، فإن مقابلة الوجود بعضه ببعض في هذا النمطصحيح وسهل جدا عند أربابه غير أنه مغرر بمن ليس براسخ أو داخل تحت إيالةراسخ.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015