وأخرج ابن عدي في (الكامل 3/ 218) ومن طريقه ابن عساكر في (تاريخ دمشق 19/ 123) قال: (سمعت أحمد بن حفص السعدي يقول: قيل لأحمد بن حنبل رحمه الله _ يعني وهو حاضر _ حديث أبي هريرة: "إذا كان النصف من شعبان فلا يصوم أحد حتى يصوم رمضان"؛ قال: ذاك؛ أي: ضعيف، ثم قال: حديث العلاء كان يرويه وكيع عن أبي العميس عن العلاء، وابن مهدي، فكان يرويه ثم تركه. قيل: عن من كان يرويه؟ قال: عن زهير، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان يصله برمضان).
فلذلك لم يجزم أبو داود رحمه الله بكون علة تركه للحديث أنه من رواية العلاء، بل قال: (ويحتمل).
ولا يعقل أن يكون تركه للحديث سببه العلاء، بل قد أتى التصريح بالسبب كما مر بك، وهو أيضا سبب كل من ترك الحديث.
بل قد ورد عند ابن القيم رحمه الله في (تهذيب السنن 7/ 50) قوله: (ونظيره ما حمل الإمام أحمد عليه حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة في النهي عن الصوم بعد انتصاف شعبان؛ أنه النهي عن ابتداء الصوم فيه، وأما صومه مع ما قبله من نصفه الأول فلا يكره).
· ومتابعة محمد بن المنكدر رواها الدار قطني في (الأفراد) كما في (الأطراف رقم 5231).
وهي مما يستأنس به هنا، وإن ضعفت، فلا يجوز إطراحها.
· وممن خرجه أيضاً:
الخطيب في (تاريخه 8/ 48)، وابن مردويه في (جزء فيه أحاديث ابن حيان رقم 111)، والطبراني في (مسند الشاميين رقم 1827) و (الأوسط رقم 6863)، والفاداني في (العجالة في الأحاديث المسلسلة) من طريق الدارمي.
قلت: وهو عند الديلمي في (الفردوس رقم 1006) من حديث ابن عمر.
· ومفهوم الحديث:
هو التقوي على صوم رمضان واستقباله بنشأة وعزم. ويمكن أن تحمل أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كان يصوم فيها شعبان كله على أنها من خصائصه صلى الله عليه وسلم، فإنه يطيق ما لا يطيق غيره، على أن ذلك جائز لمن أراده.
فلذلك قال القرطبي رحمه الله: (لا تعارض بين حديث النهي عن صوم نصف شعبان الثاني؛ والنهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين؛ وبين وصال شعبان برمضان والجمع ممكن .. ).
بل بعض أهل العلم كما في (عمدة القاري 11/ 85) قد قال: إن أبا هريرة كان يصوم في النصف الثاني من شعبان، فدل على أن ما رواه منسوخ _ قلت: وهو ضعيف _، وقيل: يحمل النهي على من لم يدخل تلك الأيام في صيام أو عبادة).
فلذلك نفى أبو داود بعد إيراده كلام الإمام أحمد وأنه حلاف حديث الوصال؛ فقال: (وليس هذا عندي خلافه).
وقد تنبه الحافظ ابن خزيمة في صحيحه (3/ 282) إلى عدم التعارض وأنه حديث سليم لا شيت فيه؛ فقال: (باب إباحة وصل صوم شعبان بصوم رمضان، والدليل على أن معنى خبر أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى رمضان" أي: لا تواصلوا شعبان برمضان فتصوموا جميع شعبان، أو أن يوافق ذلك صوما كان يصومه المرء قبل ذاك فيصوم ذلك الصيام بعد النصف من شعبان، لا أنه نهى عن الصوم إذا انتصف شعبان نهيا مطلقاً).
قلت: وهذا هو الصحيح الصواب في مراد الحديث، فهو مؤول ليس على إطلاقه، ويشهد له رواية أبو هريرة الصحيحة الأخرى: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجلا كان يصوم صوماً فليصمه"، وقد أومأ إلى ذلك الترمذي رحمه الله بعد روايته للحديث.
فالحديث الذي يظهر فيه إن شاء الله تعالى أنه صحيح ثابت، يفسره غيره من الأحاديث، ويبين مراده أهل العلم الراسخون.
ويكفي أن جملة لا يستهان بهم من الأئمة والحفاظ قد صححوا هذا الحديث، وهم لم يخف عليهم أنه من رواية العلاء، ولا أنه كما قيل: يخالف غيره.
ومع ذلك عرفوا مراده والغاية منه، وحكموا بصحته، وهو كما قالوا رحمهم الله.
والله تعالى أعلى وأعلم
ـ[عبدالله]ــــــــ[08 - صلى الله عليه وسلمug-2009, مساء 03:16]ـ
بحث قيم جدا بارك الله فيك
الحديث منكر كما قال الإمام أحمد وغيره!
والحافظ ابن رجب بين بما يكفي نكارة المتن وفقه هذه المسألة
رحم الله السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان
ـ[السكران التميمي]ــــــــ[09 - صلى الله عليه وسلمug-2009, صباحاً 12:01]ـ
رحم الله السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان
كأني بها (إلماحة بمغزى) والله أعلم
لكن ثق أخي الفاضل أننا لم نستشهد إلا بكلام السلف الصالح إن شاء الله، ونسأل الله أن نكون ممن تبعهم بإحسان.
ـ[محمّد حدّاد الجزائري]ــــــــ[10 - صلى الله عليه وسلمug-2009, مساء 08:39]ـ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛
لا عليكم أستاذنا التميمي، لقد أتحفتمونا -حفظكم الله- بتعليقكم القيم الذي يظهر من خلاله غوصكم في علوم الحديث.
وبارك الله فيكم أخواي عبد اللّه وأبا ناصر المدني، وإذا كان ثمة تقدير وإعجاب منكم بالبحث؛ فهو لشيخنا خير الدين مبارك عوير -حفظه الله-، وما أنا إلا ناقل لبحث اجتهد صاحبه في كتابته.
ولا يخفى عنكم إخواني الأفاضل أنّ الحديث قد اختلف في الحكم على درجته من حيث القبول أئمة من المتقدّمين والمتأخّرين والمعاصرين، عاليّي الشّأن شامخي القامة، وأنتم تعلمون أنّ الاجتهاد يجري في هذا كما يجري في الأحكام ...
فدعوني أقول لكم؛ أنكم جميعا على خير -بإذن الله- ...
وكلهم من رسول الله مرتشف ـــ غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم
حفظكم ربي جميعا وبارك في علمكم وأعمالكم ...
¥