ثم قال: "قال مسلم -رحمه الله-: (فيقال لمخترعي هذا القول: قد أعطيت في جملة قولك: أن الخبر الواحد الثقة حجة يلزم العمل به) هذا الذي قاله مسلم -رحمه الله- تنبيهاً على القاعدة العظيمة التي يبنى عليها معظم أحكام الشرع، وهي: وجوب العمل بخبر الواحد، فينبغي الاهتمام بها، والاعتناء بتحقيقها وقد أطنب العلماء -رحمهم الله- في الاحتجاج لها، وإيضاحها، وأفردها جماعة من السلف بالتصنيف، واعتنى بها أئمة المحدثين، وأصول الفقه، وأول من بلغنا تصنفيه فيها الإمام الشافعي -رحمه الله-، وقد تقررت أدلتها النقلية، والعقلية في كتب أصول الفقه، ونذكر هنا طرفاً منها .. " ثم ذكر الأدلة على وجوب العمل بخبر الواحد، يقول: " .. وأما خبر الواحد فهو ما لم يوجد فيه شرط التواتر .. " إلى آخره، ثم قال: " .. وذهبت القدرية، والرافضة، وبعض أهل الظاهر إلى أنه لا يجب العمل به، ثم منهم من يقول: منع من العمل به دليل العقل، ومنهم من يقول: منع دليل الشرع، وذهبت طائفة إلى أنه يجب العمل به من جهة دليل العقل، وقال الجبائي من المعتزلة: لا يجب العمل إلا بما رواه اثنان عن اثنين، وقال غيره: لا يجب العمل إلا بما رواه أربعة عن أربعة، وذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أنه يوجب العلم، وقال بعضهم: يوجب العلم، والظاهر من الباطن، وذهب بعض المحدثين إلى أن الآحاد التي في صحيح البخاري، أو صحيح مسلم تفيد العلم دون غيرها من الآحاد، وقد قدمنا .. " إلى آخره، والمسألة حقيقة طويلة الذيول، لكن لا يعني أن الإمام البخاري لما يحتاط للسنة، واشترط اللقاء، كذلك شيخه على بن المديني أنه لا يُحكم بصحة الخبر إلا إذا ثبت ذلك، فقول مسلم لا شك أن له اعتباره، وأن له نصيب من التطبيق العملي عند أهل العلم، لكن مثل احتياط الإمام البخاري لا يوجد.
طالب: .....
نفسه، نفسه ما يختلفون في هذا.
طالب: الإمام مسلم يرد على غير البخاري؟
نعم يرد على مبتدع يستغل قول الإمام البخاري، مثل ما نرد على الجبائي، وابن حسين البصري الذين استغلوا احتياط عمر.
طالب: فكيف ينكر وجود سلف له أصلاً في هذا القول؟
وين؟ إيه، وجود سلف يستغل هذا في نصر البدعة، أما وجود من يحتاط، فعمر يحتاط، أما وجود من يحتاط، فعمر يحتاط، أنت لو جاءك شخص من الثقات بخبر، وأردت أن تحتاط للسنة؛ يلومك أحد؟! ما يلومك أحد؛ ما في أحد يلومك؛ لأن الاحتياط مطلوب، لا سميا إذا وجد في ظرف، أو في زمان، أو في مكان من يتلاعب بالسنة، فهنا يجب الاحتياط، هنا يجب الاحتياط للسنة، في كلام ابن رشيد -رحمه الله- يقول: "الباب الأول: أعلم أن الإسناد المعنعن، وهو ما يقال فيه: فلان عن فلان، مثل قولنا: مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المنقول فيه عن المتقدمين أربعة مذاهب، وحدث المتأخرين فيه مصطلح خامس، فالمذهب الأول: مذهب أهل التشديد، وهو أنه لا يعد متصلاً من الحديث إلا ما نص فيه على السماع، أو حصل العلم به من طريق آخر، وأن ما قيل فيه: فلان عن فلان، فهو من قبيل المرسل، أو المنقطع .. " وسيأتي ذكره في النظم -إن شاء الله تعالى- " .. حتى يتبين اتصاله بغيره، حكاه الإمام أبو عمرو النصري الشهرزوري، شهر بابن الصلاح أحد أئمة المتأخرين المعتمدين، ولم يسم قائله، ولفظ: "ماحكاه فلان عن فلان" عده بعض الناس من قبيل المرسل، والمنقطع حتى يتبين اتصاله بغيره، وهذا المذهب، وإن قل القائل به بحيث لا يسمى، ولا يعلم، فهو الأصل الذي كان يقتضيه الاحتياط .. " هذا كلام ابن رشيد " .. وحجته أن (عن) لا تقتضي اتصالاً، لا لغة، ولا عرفاً .. " يعني غاية ما فيه أن هذا القول منسوب عن فلان " .. وحجته أن (عن) لا تقتضي اتصالاً، لا لغة، ولا عرفاً، وإن توهم متوهم فيها اتصالاً لغة، فإنما ذلك بمحل المجاوزة المأخذ عنه، تقول أخذ هذا عن فلان، فالأخذ حصل متصلاً بالمحل المأخوذ عنه، وليس فيها دليل على اتصال المروي بالمروي عنه .. " وهذه مسألة تنفع في كتب تراجم المحدثين، يعني إذا قالوا روى عن فلان وفلان، وفلان وفلان، وعنه فلان، وفلان وفلان، فهم يحكون الواقع الذي وجد في الأسانيد، لكن هل هم يحكون في مثل هذا أنه ثبت سماعه عن فلان عن فلان! أو يحكون الواقع الذي وجدوه في الأسانيد! ويبقى مسألة الاتصال، والانقطاع تأخذ من كتب التي ينص فيها مثل المراسيل لابن أبي حاتم،
¥