ويشهد لهذا الكلام ما روي عن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لئن عشت لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب فلا يبقى بها إلا مسلم"، كما يشهد له أيضا الرواية الآتية برقم (2) عن الإمام علي رضي الله عنه.
ثانيا: رواية علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
أخرجها عبد الرزاق في (المصنف ج6/ص58) قال:
أخبرنا الحسن بن عمارة، عن عدي بن ثابت، عن أبي ظبيان قال: سمعت عليا يقول: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن وليت الأمر بعدي فأخرج أهل نجران من جزيرة العرب".
كما أخرجه الإمام أحمد في (المسند)، وابن أبي عاصم في (السنة)، والمحاملي في (أماليه)، والحموي في (معجم البلدان). قال الهيثمي في (مجمع الزوائد ج5/ص185): رواه أحمد وفيه قيس غير منسوب، والظاهر أنه قيس بن الربيع وهو ضعيف؛ وقد وثقه شعبة والثورى وبقية رجاله ثقات.
وقد اختلف العلماء في تحديد أرض جزيرة العرب، فقال ابن عبد البر في (الاستذكار ج8/ص246):
وأما جزيرة العرب: فذكر أحمد بن المعذل: حدثني يعقوب بن المهدل يعقوب بن محمد بن عيسى الزهري قال: قال المغيرة بن عبد الرحمن: جزيرة العرب مكة والمدينة واليمن، مدنها وقرياتها. وقال مالك بن أنس: جزيرة العرب مكة والمدينة واليمامة واليمن. وقال الشافعي: جزيرة العرب التي أخرج عمر رضي الله عنه اليهود والنصارى منها؛ مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها، فأما اليمن فليس من جزيرة العرب. قال أحمد بن المعذل: وقال معن بن عيسى عن مالك: جزيرة العرب منبت العرب. وقد نقل في (التمهيد) غير هذا.
قال أبو المحاسن في (معتصر المختصر ج2/ص204):
فجزيرة العرب التي لا يترك اليهود والنصارى يقيمون بها إلا مقدار ما يقضون حوائجهم: مكة والمدينة والطائف والوبزة ووادي القرى على ما قال محمد ابن الحسن، وقال أبو عبيدة: ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، فأما العرض فما بين يبرين إلى منقطع السماوة. وقيل: الطول من أقصى عدن إلى ريف العراق، والعرض فمن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام. فيرون أن عمر إنما استخار إخراج أهل نجران من اليمن وكانوا نصارى إلى العراق وأهل خيبر إلى الشام لهذا الحديث.
قال العيني في (عمدة القاري ج14/ص299):
وروى أحمد من حديث أبي عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه: "أخرجوا يهود الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب" وإنما أخرج أهل نجران من الجزيرة وإن لم تكن من الحجاز لأنه صلى الله عليه وسلم صالحهم على أن لا يأكلوا الربا فأكلوه. رواه أبو داود من طريق ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
وقال النووي في (تهذيب الأسماء ج3/ص350):
قال في (المهذب): وأما نجران فليست من الحجاز، ولكن صالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يأكلوا الربا فأكلوه، ونقضوا العهد، فأمر بإخراجهم فأجلاهم عمر رضي الله تعالى عنه. وهذا الذي قاله في (المهذب) هو الصواب؛ وأنها ليست من الحجاز الذي هو مكة والمدينة واليمامة ومحالفيها، وأما قول الإمام الحافظ أبي بكر الحازمي في كتابه (المؤتلف والمختلف في الأماكن): نجران من مخاليف مكة من صوب اليمن، ففيه تساهل. وقال الجوهري في (صحاحه): نجران بلدة من اليمن.
وقال أبو عبيد في (الأموال ج1/ص129) لما روى الحديث بسنده:
وإنما نراه قال ذلك لنكث كان منهم أو لأمر أحدثوه بعد الصلح، وذلك بين في كتاب كتبه عمر إليهم قبل إجلائه إياهم منها.
وقد كان ابن القيم يرى أن نجران من جزيرة العرب.
قال الشوكاني في (نيل الأوطار ج8/ص225):
فلو فرضنا أنه لم يقع النص إلا على إخراجهم من الحجاز لكان المتعين إلحاق بقية جزيرة العرب به لهذه العلة؛ فكيف والنص الصحيح مصرح بالإخراج من جزيرة العرب، وأيضا هذا الحديث الذي فيه الأمر بالإخراج من الحجاز فيه الأمر بإخراج أهل نجران، كما وقع في حديث الباب، وليس نجران من الحجاز، فلو كان لفظ الحجاز مخصصا للفظ جزيرة العرب على انفراده أو دالا على أن المراد بجزيرة العرب الحجاز فقط لكان في ذلك إهمال لبعض الحديث وإعمال لبعض، وأنه باطل، وأيضا غاية ما في حديث أبي عبيدة الذي صرح فيه بلفظ أهل الحجاز مفهومه معارض لمنطوق ما في حديث ابن عباس المصرح فيه بلفظ جزيرة العرب، والمفهوم لا يقوى على معارضة المنطوق، فكيف يرجح عليه؟.
فإن قلت: فهل يخصص لفظ جزيرة العرب المنزل منزلة العام لماله من الإجزاء بلفظ الحجاز عند من جوز التخصيص بالمفهوم؟
قلت: هذا المفهوم من مفاهيم اللقب وهو غير معمول به عند المحققين من أئمة الأصول، حتى قيل: إنه لم يقل به إلا الدقاق، وقد تقرر عند فحول أهل الأصول أن ما كان من هذا القبيل يجعل من قبيل التنصيص على بعض الأفراد لا من قبيل التخصيص إلا عند أبي ثور.
وانظر لزاما (أحكام الذمة) لابن القيم ج1/ص370 وما بعدها.
ومما قال فيه: وحديث أبي عبيدة صريح في أن أرض نجران من جزيرة العرب؛ فإنه قال: "أخرجوا أهل نجران ويهود أهل الحجاز من جزيرة العرب" وكذا قوله لعلي رضي الله عنه: "أخرج أهل نجران من جزيرة العرب".
قال أبو عبيد: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد قال: جاء أهل نجران إلى علي رضي الله عنه فقالوا: شفاعتك بلسانك وكتابك بيدك؛ أخرجنا عمر من أرضنا فردها إلينا صنيعة، فقال: ويلكم إن عمر كان رشيد الأمر ولا أغير شيئا صنعه عمر.
قال أبو معاوية: قال الأعمش: فكانوا يقولون: لو كان في نفسه عليه شيء لاغتنم هذا.
قلت: وهذا يدل على أن حديث علي رضي الله عنه الذي ذكرناه قَبْلُ غير محفوظ؛ فإنه لو كان عنده عن النبي أمره بإخراج أهل نجران من جزيرة العرب لم يعتذر بأن عمر قد فعل ذلك، وكان رشيد الأمر، أو لعله نسي الحديث، أو أحال على عمر رضي الله عنه قطعا لمنازعتهم عمر رضي الله عنه إخراجهم. انتهى
والله أعلم وهو الموفق للصواب.
¥