الأول: أن يكون الضعف غير شديد، فيخرج من انفرد من الكذابين، والمتهمين بالكذب، ومن فحش غلطه، نقل العلائى الاتفاق عليه.
الثانى: أن يندرج تحت أصل معمول به.
الثالث: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط.
وهذان - أى الشرط الثانى والثالث - ذكرهما ابن عبد السلام وابن دقيق العيد.
مناقشة الآراء:
قال الإمام اللكنوى - بعد عرض جميع الآراء: «هذه العبارات ونحوها الواقعة فى كتب الثقات تشهد بتفرقهم فى ذلك، فمنهم من منع العمل بالضعيف مطلقًا، وهو مذهب ضعيف، ومنهم من جوزه مطلقًا، وهو توسع سخيف، ومنهم من فصل وقيد، وهو المسلك المسدود» (16).
مناقشة الرأى الأول:
وهو الرأى الذى يرى العمل بالحديث الضعيف مطلقًا، والذى يرد عليه أن الحكم وفقًا للدليل - الحديث - إنما هو تشريع، وإثبات التشريع بما غلب على الظن عدم ثبوته يعد تشريعًا فى الدين، بما لم يثبت بالدليل، ولم يرد إذن من الشارع به، وأن القول بأن ذلك فى فضائل الأعمال والترغيب والترهيب فغير مقبول، حيث يرد الأمر، ويقال عنه مستحب، أو تطالب الأمة بما ورد فى الحديث مع كونه ضعيفًا، وما الاستحباب إلا مرتبة من مراتب الأحكام الشرعية (الاستحباب درجة من درجات المندوب).
وبالتالى بناء على هذا الرأى فقد أثبت حكم شرعى بحديث ضعيف مع اتفاقهم أن الضعيف لا يعمل به فى مجال الأحكام، فبذلك يظهر تناقض الكلام.
وأجيب على ما سبق بأن العمل بالحديث الضعيف «ليس من باب الاختراع فى الشرع، وإنما هو ابتغاء فضيلة، ورجاؤها بأمارة ضعيفة من غير مفسدة عليه» (17).
وقيل: «إن ثبوت الفضائل والترغيب لا يلزمه حكم، ألا ترى أنه لو ورد حديث ضعيف فى ثواب بعض الأمور الثابت استحبابها والترغيب فيها، أو فى فضائل بعض الأصحاب أو الأذكار المأثورة، لم يلزم مما ذكر ثبوت حكم أصلاً، ولا حاجة لتخصيص الأحكام والأعمال - كما توهمه الدَّوانى - للفرق الظاهر بين الأعمال وفضائل الأعمال» (18).
وهذه الأقوال جميعًا يرد عليها بما ثبت فى أقوال الأئمة، حيث استدلوا بالحديث الضعيف على ندب بعض الأمور، وكذلك ما نصوا عليه من جواز العمل بالحديث الضعيف فى الترغيب والترهيب والمناقب وفضائل الأعمال (19).
مناقشة الرأى الثانى:
وهو أن الحديث الضعيف لا يعمل به مطلقًا، ويرى من يذهب إلى هذا الرأى أن لدينا مما صح فى الفضائل والترغيب والترهيب من جوامع كلم المصطفى، ثروة يعجز البيان عن وصفها، وهى تغنينا عن رواية الأحاديث الضعيفة فى هذا الباب، وبخاصة أن الفضائل، ومكارم الأخلاق من دعائم الدين، ولا فرق بينها وبين الأحكام من حيث ثبوتها بالحديث الصحيح أو الحسن، فمن الواجب أن يكون مصدرها جميعًا الأخبار المنقولة (20).
مناقشة الرأى الثالث:
وهو الرأى الذى كشف قواعده وأسسه الإمام ابن حجر العسقلانى، ووضع له ضوابط وشروط سبق ذكرها.
الرأى الذى نميل إليه ونرجحه.
وقبل بيان الرأى الذى نميل إليه ونرجحه، لابد من بيان بعض الأمور:
(1) لماذا نلجأ إلى الأحاديث الضعيفة فى فضائل الأعمال، وفى الترغيب والترهيب، هل السبب فى ذلك قلة ما عندنا من أحاديث مقبولة فى الباب، أم هو قلة الوقت المبذول فى البحث؟
(2) على الرأى الثالث: هل من يأتى بأحايث ضعيفة فى الفضائل وأمثالها يتأكد أن الضعف غير شديد، وبالتالى فلا يروى حديثًا انفرد به الكذابون، أو المتهمون بالكذب، أو من فحش غلطه، أم أنه - غالبًا - لا يعلم أحكام العلماء فى الجرح والتعديل. إن مراجعة بسيطة للمقالات السابقة (21) لنا فى هذه المجلة الغراء عن الحديث الموضوع يجد أن الكثير منها متداول على ألسنة الوعاظ رغم أنها مكذوبة على رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
(3) وعلى الرأى الثالث أيضًا، فهل يتأكد أن مثل ما يرويه يندرج تحت أصل معمول به.
(4) وهل الكُتاب والوعاظ والأئمة إذا تأكدوا وتوفرت لهم المعلومات السابقة، فهل حين يعلمون الناس هذه الأحاديث الضعيفة، ويعلمونهم العمل بموجبها يعملونهم أيضًا أن لا يعتقدوا عند العمل ثبوت ذلك، بل على الناس أن يعتقدوا عند العمل بالضعيف أن ذلك من باب الاحتياط.
من هنا:
¥